ذات صلة

جمع

جمود المسار السياسي.. هل تتحول ليبيا إلى “نزاع منسي” دوليًا؟

تعيش ليبيا منذ سنوات حالة من الجمود السياسي غير...

ترسانة إخوان اليمن الإعلامية.. كيف تحولت المنابر إلى مظلات سياسية لقوى التطرف؟

في الوقت الذي يخوض فيه اليمنيون معركة وجودية لاستعادة...

فخ الهدنة في لبنان.. لماذا يعجز المجتمع الدولي عن كبح جماح دويلة حزب الله؟

بينما كانت آمال اللبنانيين تتعلق بقشة "الهدنة" لعلها توقف...

وصفات طبيعية لبشرة أكثر إشراقًا.. كيف تستعيد منطقة العين نضارتها؟

تعد منطقة ما حول العين من أكثر مناطق الوجه...

فخ الهدنة في لبنان.. لماذا يعجز المجتمع الدولي عن كبح جماح دويلة حزب الله؟

بينما كانت آمال اللبنانيين تتعلق بقشة “الهدنة” لعلها توقف نزيف الدماء والدمار، استيقظ العالم على حقيقة مرة مفادها “أن الاتفاقات الدولية في لبنان لم تكن سوى مسكنات مؤقتة لجرح غائر ما يزال ينزف بسيادة الدولة”.

إن المشهد في بيروت وجنوب لبنان اليوم يطرح تساؤلاً جوهريًا حول جدوى الهدنة التي توصف بأنها “هشة” إلى حد الانكسار، حيث تحولت هذه التفاهمات إلى مجرد “اتفاقات على ورق” تفتقر إلى آليات التنفيذ الحقيقية على الأرض.

وفي قلب هذا الفشل الذريع، تبرز سطوة المليشيات المسلحة، وعلى رأسها حزب الله، الذي نجح في تحويل الهدنة من أداة لتحقيق السلام إلى “استراحة محارب” تكتيكية لترميم الترسانة العسكرية وإعادة تموضع القوات، مما يترك الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية في حالة من الشلل التام، عاجزة عن فرض قرار السلم والحرب الذي بات مختطفًا بامتياز لصالح أجندات إقليمية تتجاوز حدود الوطن الصغير.

سلاح حزب الله والقرار المخطوف: معضلة الدولة والدويلة

تعتبر معضلة السلاح غير الشرعي هي حجر الزاوية في فشل أي هدنة يشهدها لبنان، فمنذ سنوات طويلة استطاع حزب الله بناء “دويلة” متكاملة الأركان تمتلك جيشًا يوازي في قوته وإمكاناته الجيش اللبناني الرسمي، بل ويتفوق عليه في حرية الحركة واتخاذ القرار.
هذا الواقع المرير جعل من أي اتفاق للهدنة مجرد إجراء شكلي، لأن الطرف الذي يمتلك القوة الحقيقية على الأرض لا يرى نفسه ملزمًا بقرارات الحكومة اللبنانية أو حتى بالقرارات الدولية مثل القرار 1701.

إن المليشيات المسلحة في لبنان لا تعمل كجزء من منظومة الدفاع الوطني، بل كأداة تنفيذية لمشروع عابر للحدود، مما يجعل من الهدنة مجرد “غطاء سياسي” يسمح للحزب بالاستمرار في عسكرة القرى والمدن وتحويلها إلى دروع بشرية ومخازن بارود، بعيدًا عن أعين الرقابة الدولية التي تبدو عاجزة تمامًا عن اختراق المربعات الأمنية المحصنة.

خرق السيادة والالتفاف على القرار 1701: كيف تلاشت هيبة القانون؟

تحت ركام الهدنة الهشة، تبرز عمليات الالتفاف الممنهج على الشرعية الدولية، حيث لم ينجح القرار 1701 في إخلاء جنوب لبنان من المظاهر المسلحة كما كان مخططًا له، فبدلاً من الانسحاب، اعتمدت المليشيات استراتيجية “التخفي” والاندماج في النسيج المدني، مع الاستمرار في حفر الأنفاق وبناء منصات الصواريخ الموجهة نحو الحدود، هذا الالتفاف حول هيبة القانون لم يضعف السيادة اللبنانية فحسب، بل حول قوات “اليونيفيل” الدولية إلى شاهد عيان يمتلك التقارير ولا يمتلك سلطة الردع.

إن فشل الهدنة في كبح جماح المليشيات يعود بالدرجة الأولى إلى غياب “الإرادة السياسية” لدى النخبة الحاكمة في بيروت، التي يقع معظمها تحت تأثير الابتزاز بالسلاح، مما يجعل من أي تحرك لفرض سلطة الدولة بمثابة انتحار سياسي أو شرارة لحرب أهلية يخشى الجميع اندلاعها.

اقتصاد الحرب واستنزاف لبنان: الثمن الباهظ للهدنة الملغومة

لا تتوقف تداعيات فشل الهدنة عند الجوانب الأمنية فحسب، بل تمتد لتضرب ما تبقى من عصب الاقتصاد اللبناني المتهالك. فبقاء لبنان في حالة “اللا حرب واللا سلم” يطرد الاستثمارات الأجنبية ويجعل من البلد بيئة طاردة للأعمال، حيث يخشى الجميع من انهيار الهدنة في أي لحظة وضياع رؤوس الأموال.

كما أن المليشيات المسلحة، عبر سيطرتها على المعابر غير الشرعية وتدخلها في مفاصل الاقتصاد، خلقت ما يعرف بـ “اقتصاد الظل” الذي يغذي ترسانتها العسكرية بينما يجوع الشعب اللبناني، وإن استمرار هذه الحالة يجعل من الهدنة مجرد فترة انتظار كئيبة يترقب فيها المواطن اللبناني موعد القذيفة القادمة، وسط انهيار كامل للمؤسسات الخدمية والمالية التي لم تعد قادرة على الصمود أمام تكاليف مغامرات حزب الله الإقليمية التي يدفع ثمنها اللبنانيون من مدخراتهم ومستقبل أبنائهم.

المسارات المسدودة.. هل هناك مخرج من نفق المليشيات المظلم؟

إن الحديث عن هدنة مستدامة في لبنان يظل ضربًا من الخيال طالما بقيت هيكلية السلطة قائمة على المحاصصة الطائفية التي تشرعن وجود السلاح خارج إطار الدولة، والمخرج الوحيد من هذا النفق المظلم يبدأ من استعادة “القرار الوطني المستقل”، ونزع سلاح كافة المليشيات دون استثناء، وتطبيق القرارات الدولية بكل حزم وبدعم حقيقي من المجتمع الدولي الذي لا يجب أن يكتفي ببيانات القلق والندب.

كما أن الفشل المتكرر للهدنات السابقة يثبت أن “أنصاف الحلول” لم تعد تجدي نفعًا، وأن محاولة استرضاء المليشيات على حساب سيادة الدولة لم تقد لبنان إلا إلى مزيد من الخراب.

إن لبنان اليوم بحاجة إلى “انتفاضة سيادية” تعيد الاعتبار للجيش اللبناني كقوة وحيدة مسؤولة عن حماية الحدود، وتضع حدًا لسياسة المحاور التي حولت بلاد الأرز إلى ساحة لتصفية الحسابات الغريبة عن تطلعات شعبه.