في الوقت الذي كان فيه الشعب السوداني ينتظر جني ثمار ثورته المجيدة بالانتقال نحو الدولة المدنية والديمقراطية، صُدم العالم بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، الذي لم يكن مجرد تحرك عسكري للاستيلاء على السلطة، بل كان بمثابة “قبلة الحياة” التي أعادت الروح لجسد الحركة الإسلامية المتهالك.
هذا التحالف المشبوه بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقيادات النظام البائد، فتح الأبواب على مصراعيها لعودة “جرائم التمكين” بصورة أكثر توحشًا، حيث كشفت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو في أحدث تقاريرها عن تفاصيل مرعبة تتعلق بإعادة تنصيب عناصر الإخوان في مفاصل الدولة الحيوية.
إن ما يحدث اليوم في السودان ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو عملية “هندسة عكسية” للثورة، تهدف إلى تجريف المكتسبات الوطنية وإعادة بناء شبكات الفساد المالي والإداري تحت لافتة الحرب والضرورات الأمنية، مما يضع البلاد أمام منعطف تاريخي يهدد وجودها كدولة موحدة.
أرشيف الإخوان الأسود: الصندوق السيادي لجرائم التنظيم الدولي
أعلنت لجنة تفكيك النظام عن امتلاكها “كنزًا معلوماتيًا” يتمثل في الأرشيف الكامل لحزب المؤتمر الوطني المحلول، وهو الأرشيف الذي يتضمن بيانات دقيقة وحساسة عن كافة قيادات وعناصر التنظيم داخل السودان وخارجه.
هذا الصندوق الأسود يكشف كيف استطاع الإخوان، بتواطؤ مباشر من سلطة البرهان، العودة إلى مناصبهم في الوزارات السيادية والمؤسسات الاقتصادية الكبرى بعد أن تم فصلهم بقرارات شرعية عقب الثورة.
وتكمن خطورة هذا الأرشيف في أنه يوثق مسارات الأموال المنهوبة التي تم تحويلها إلى دول أفريقية وعربية عبر واجهات تجارية ومنظمات تدعي العمل الخيري، بينما هي في الحقيقة “حصالة نقود” لتمويل أنشطة الحركة الإسلامية السياسية والعسكرية.
إن تمسك اللجنة بهذا الأرشيف يمثل اليوم التهديد الأكبر لمنظومة البرهان، لأنه يضع أسماء المتورطين في نهب مقدرات الشعب تحت مقصلة الملاحقة الدولية، ويكشف زيف ادعاءات السلطة بمحاربة الفساد.
دبلوماسية التمكين: 127 سفيرًا إخوانيًا يديرون علاقات البرهان الخارجية
واحدة من أكثر الجرائم التي هزت الرأي العام هي كشف المتحدث باسم لجنة التفكيك، وجدي صالح، عن حجم التغلغل الإخواني في وزارة الخارجية السودانية.
ففي مشهد يعكس عمق التحالف بين البرهان والإخوان، تم رصد عودة 109 دبلوماسيين وسفراء منتمين للنظام السابق إلى مواقعهم فور وقوع الانقلاب، ليصل إجمالي العناصر الإخوانية التي تدير بعثات السودان في الخارج إلى 127 سفيرًا وكادرًا دبلوماسيًا.
هؤلاء لا يمثلون تطلعات الشعب السوداني، بل يعملون كـ “خلايا نائمة” وواجهات سياسية للحركة الإسلامية في العواصم الدولية، حيث يقومون بتضليل المجتمع الدولي حول حقيقة الأوضاع في الداخل وتأمين مسارات لغسل الأموال المهربة.
إن بقاء هذه العناصر في هرم الدبلوماسية السودانية يمثل جريمة في حق السيادة الوطنية، ويؤكد أن سلطة البرهان ما هي إلا “غطاء عسكري” لمشروع إخواني يسعى لاستعادة نفوذه الإقليمي بأي ثمن.
كارتيلات الحرب ونهب الموارد: فساد يتجاوز حقبة الثلاثين عامًا
تشير المعطيات الميدانية والتقارير الرقابية إلى أن حجم الفساد المالي الذي استشرى في السودان منذ انقلاب أكتوبر وحتى اندلاع الحرب الجارية، يوازي بل قد يتجاوز حجم النهب الذي تم في عهد عمر البشير طوال ثلاثين عامًا.
ووفقًا لصلاح مناع، مقرر لجنة التفكيك، فإن ما يسمى بـ “كارتيلات وأمراء الحرب” المرتبطين بالبرهان وقيادات الإخوان، يسيطرون الآن على كافة مفاصل الاقتصاد القومي، من تجارة الذهب والموارد الطبيعية إلى التحكم في المساعدات الإنسانية واللوجستية.
هذه الشبكات المالية تعمل تحت غطاء “الضرورة العسكرية”، لكنها في الحقيقة تقوم بتجفيف منابع الدولة وتوجيه الأموال لبناء ترسانة عسكرية وتنظيمية تضمن بقاء هذا التحالف في السلطة للأبد.
إن تحويل السودان إلى “إقطاعية مالية” للإخوان والبرهان هو الجريمة الأكبر التي تُرتكب الآن، حيث يتم تجويع الشعب السوداني في الداخل بينما تتضخم حسابات قادة النظام البائد في المصارف الخارجية.
الملاحقة الدولية وتجفيف منابع التمويل: المعركة القادمة ضد الإرهاب
أمام هذا التغول، بدأت لجنة تفكيك النظام مرحلة جديدة من المواجهة تعتمد على التنسيق الدولي الوثيق مع “أصدقاء السودان” والمؤسسات المالية العالمية لتعقب الأصول المنهوبة.
الهدف الأساسي هو “قطع خطوط الإمداد المالي” التي تغذي الحرب والتمكين الإخواني، من خلال إدراج الشركات والواجهات التجارية التابعة للتنظيم في قوائم الحظر الدولية.
وقد حذرت اللجنة كافة المؤسسات المصرفية والشركات العقارية من مغبة التعامل مع أصول أو أموال مرتبطة بعناصر النظام السابق، مؤكدة أن جميع التحويلات مرصودة بدقة.
إن تصنيف الحركة الإسلامية ككيان إرهابي في العديد من الدوائر الدولية يفتح الباب قانونيًا لملاحقة البرهان وشركائه الإخوان كمتورطين في تمويل الإرهاب وزعزعة الاستقرار الإقليمي، وهي المعركة التي يراهن عليها الشارع السوداني لكسر حلقة الفساد والاستبداد.

