يواجه قطاع غزة في الآونة الأخيرة تحديات غير مسبوقة تتجاوز حدود الوصف الإنساني، حيث لم تعد الحرب تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة، بل امتدت لتطال أركان الحياة الأساسية وعلى رأسها المنظومة التعليمية التي تتعرض لعملية تدمير ممنهجة تهدف إلى محو المستقبل وتجهيل الأجيال القادمة.
وفي قلب هذه المعركة، تبرز “السبورة” كرمز للصمود في وجه الصواريخ التي لا تفرق بين هدف عسكري ومنشأة تعليمية، حيث تحولت المدارس التي كانت يومًا ما محاضن للعلم وبناء العقول إلى أهداف مباشرة للقصف؛ مما أدى إلى توقف العملية التعليمية بشكل شبه كامل وحرمان مئات الآلاف من الطلاب من حقهم الأساسي في التعليم، وسط صمت دولي يثير الكثير من التساؤلات حول معايير حقوق الإنسان العالمية التي تسقط عند أعتاب غزة المحاصرة والمكلومة.
استهداف المدارس.. محاولات اغتيال الوعي الفلسطيني
إن حجم الدمار الذي حل بالمنشآت التعليمية في قطاع غزة يعكس رغبة واضحة في ضرب البنية التحتية للعقل الفلسطيني، حيث تشير التقارير الميدانية إلى أن نسبة كبيرة من المدارس التابعة للحكومة ووكالة الغوث (الأونروا) قد خرجت عن الخدمة تمامًا، إما بسبب التدمير الكلي أو الجزئي، أو لتحولها إلى مراكز إيواء للنازحين الذين فقدوا بيوتهم، وهذا الواقع المرير جعل من الصعب جدًا استئناف الدراسة في ظل غياب الحد الأدنى من الأمان.
إن الطالب الذي كان يحمل حقيبته متوجهًا إلى فصله الدراسي أصبح اليوم يبحث عن لقمة عيش أو شربة ماء وسط الأنقاض، ومع ذلك، لم يستسلم المجتمع التعليمي في غزة، بل برزت مبادرات تعليمية تطوعية داخل الخيام وفي مراكز النزوح، حيث يحاول المعلمون بإمكانيات معدومة استرجاع بعض الحصص الدراسية للحفاظ على الحد الأدنى من الوعي المعرفي لدى الأطفال، متحدين بذلك أزيز الطائرات وصوت القذائف التي تلاحقهم في كل مكان.
الجامعات النازفة.. غياب المنارات الأكاديمية عن المشهد
لم تكن الجامعات الفلسطينية في غزة بمنأى عن هذا الاستهداف، بل كانت في مقدمة الأهداف التي طالها الدمار، حيث تم استهداف مباني الجامعات الكبرى وتدمير المختبرات العلمية والمكتبات التاريخية التي تضم أبحاثًا وكتبًا لا تقدر بثمن، وهذا الاستهداف المباشر للنخب الأكاديمية والطلبة الجامعيين يمثل طعنة في قلب المستقبل الاقتصادي والاجتماعي للقطاع، فبدون تعليم جامعي رصين، سيجد المجتمع الغزي نفسه أمام فجوة معرفية وتنموية قد تستغرق عقودًا لترميمها.
وتعد هذه السياسة جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى دفع الكفاءات والعقول للهجرة القسرية بحثًا عن بدائل تعليمية في الخارج، مما يفرغ الوطن من طاقاته المبدعة، ولكن رغم هذا الوجع، نجد الطالب الجامعي في غزة يتابع محاضراته عبر الإنترنت “إن وجد” من فوق ركام منزله، في رسالة واضحة للعالم بأن إرادة التعلم أقوى من أدوات القتل والدمار.
التأثيرات النفسية والتربوية على جيل الحرب
بعيدًا عن الأرقام والإحصائيات الخاصة بالمباني المهدمة، هناك دمار من نوع آخر يصيب النفس البشرية، حيث يعاني طلاب غزة من صدمات نفسية عميقة نتيجة فقدان الزملاء والمعلمين، ورؤية صروحهم التعليمية وهي تتهاوى أمام أعينهم، إن غياب البيئة التعليمية الآمنة يؤدي إلى تراجع القدرات الإدراكية وزيادة حالات القلق والتوتر بين الأطفال والمراهقين، وهو ما يضع عبئًا إضافيًا على الكادر التربوي الذي يحاول القيام بدور المعلم والأخصائي النفسي في آن واحد.
إن معركة “السبورة” اليوم ليست مجرد نقل للمعلومات، بل هي محاولة لاستعادة التوازن النفسي للأطفال وإشعارهم بأن هناك غدًا ينتظرهم رغم قتامة الحاضر، وتتطلب هذه الملحمة تدخلاً دوليًا عاجلاً ليس فقط لإيقاف الحرب، بل لإعادة بناء المنظومة التعليمية وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي اللازم لجيل نشأ ولم يعرف من الحياة سوى الحصار والحروب المتتالية.
المعلم الفلسطيني.. فدائي العلم في زمن القهر
يقف المعلم في غزة اليوم في خندق المواجهة الأول، حيث فقد الكثير من المعلمين منازلهم وحياتهم، ومن بقي منهم على قيد الحياة يواصل أداء رسالته في ظروف لا تطاق، وبدون رواتب منتظمة أو حتى أدوات تعليمية بسيطة، هؤلاء المعلمون يثبتون للعالم أن الرسالة التعليمية هي أمانة وطنية مقدسة، فهم يقيمون فصولاً دراسية تحت الأشجار وفي زوايا الخيام المتهالكة، مستخدمين الفحم للكتابة على الجدران المتبقية بدلاً من الطباشير والأقلام.
إن هذه التضحيات الأسطورية هي التي ستحفظ لغزة هويتها وتمنع ذوبان وعيها في أتون الصراعات، فالمعلم في غزة يدرك تمامًا أن معركته مع المحتل هي معركة وعي بالأساس، وأن كسر إرادة الشعب يبدأ بتجهيله، لذا فإن الإصرار على بقاء “السبورة” قائمة هو أسمى أنواع المقاومة الثقافية التي تضمن بقاء القضية حية في عقول وقلوب الأجيال المتعاقبة.
رؤية مستقبلية لإعادة إعمار العقول
يظل التعليم في غزة هو الرهان الوحيد المتبقي لاستعادة الحياة والنهوض من بين الرماد، وإن إعادة إعمار ما دمرته الحرب يجب أن يبدأ من المدارس والجامعات قبل البيوت والأبراج، لأن بناء الإنسان هو الأساس لبناء الأوطان.
إن العالم اليوم مطالب بوقفة جادة لتوفير ممرات آمنة للتعليم والضغط من أجل حماية المؤسسات التعليمية وتحييدها عن الصراعات العسكرية وفقًا للمواثيق الدولية، وإن أطفال غزة الذين يدرسون اليوم على ضوء الشموع وسط أنقاض مدارسهم هم علماء وقادة المستقبل الذين سيعيدون بناء ما دمره القصف، وستبقى معركة “السبورة” ضد الصواريخ ملحمة خالدة تروي قصة شعب قرر أن يكتب تاريخه بحبر العلم لا بدموع الهزيمة، مؤكدين أن فجرًا جديدًا سيشرق حتمًا من بين ثنايا الكتب وكراريس الطلاب التي رفضت أن تحترق بنيران الغدر.

