تواجه الدولة الليبية واحدة من أخطر المنعطفات التاريخية التي تهدد كيانها المؤسسي، حيث تصاعدت حدة التجاذبات السياسية لتطال “القلاع الموحدة” التي ظلت لسنوات بمنأى عن الانقسام المباشر.
وتتمثل هذه الأزمة في محاولات الأطراف المتصارعة في شرق البلاد وغربها إحكام القبضة على المؤسسات السيادية التي تدير موارد الدولة، وعلى رأسها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.
إن هذا الاستقطاب الحاد لم يعد مجرد خلاف على الشرعية السياسية، بل تحول إلى صراع وجودي يستهدف تفكيك الإدارة الموحدة للمال والنفط، مما يضع ليبيا في مهب ريح الانقسام الكلي.
وتأتي هذه التطورات في ظل انسداد سياسي طويل الأمد فشلت فيه المبادرات الدولية في الوصول إلى حل توافقي ينهي حالة “ازدواجية السلطة”، وهو ما دفع الأطراف المحلية إلى استخدام المؤسسات الخدمية والمالية كأوراق ضغط ومساومة في المفاوضات، مما يهدد بانهيار الخدمات الأساسية وتفاقم المعاناة المعيشية للمواطن الليبي الذي بات يخشى ضياع آخر ما يجمع البلاد تحت سقف إداري واحد.
إن خطورة المشهد الراهن تكمن في أن استهداف هذه المؤسسات يعني فعليًا قطع الشرايين الحيوية التي تغذي الدولة، فالمصرف المركزي يمثل صمام الأمان للنقد الأجنبي والرواتب، بينما تشكل مؤسسة النفط المصدر الوحيد للدخل القومي، وأي تلاعب في وحدة هذه الهياكل سيؤدي بالضرورة إلى شلل تام في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الدولية والمحلية.
وقالت مصادر: إن “فخ التجاذبات” السياسية يهدف إلى خلق واقع جديد يتم فيه تقاسم الموارد بناءً على مناطق النفوذ العسكري، وهو سيناريو كارثي يحذر منه المجتمع الدولي باستمرار، مؤكدًا أن وحدة المؤسسات المالية والنفطية هي “الخط الأحمر” الأخير الذي يمنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية اقتصادية شاملة، ومع تزايد الضغوط الداخلية من قبل حركات مدنية ومبادرات محلية تطالب بتحييد هذه المؤسسات، يبقى التساؤل قائمًا حول مدى قدرة هذه “القلاع” على الصمود أمام رغبات الإقصاء والسيطرة التي تهيمن على المشهد السياسي الليبي في الوقت الحالي.
تحذيرات دولية ومبادرات محلية: سباق مع الزمن لمنع الانهيار الشامل
أمام هذا التصعيد، انطلقت في الآونة الأخيرة سلسلة من المبادرات المحلية التي تقودها شخصيات وطنية وتجمعات تكنوقراطية ليبية، تهدف إلى إيجاد “حائط صد” قانوني وفني يحمي المؤسسات الموحدة من التغول السياسي.
وتستند هذه المبادرات إلى ضرورة تشكيل مجالس إدارة مستقلة لهذه المؤسسات بعيدًا عن المحاصصة السياسية، مع تفعيل آليات الرقابة الشفافة لضمان توزيع عادل للثروة ينهي مبررات الصراع.
وتتزامن هذه التحركات المحلية مع تحذيرات دولية شديدة اللهجة صدرت عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والقوى الكبرى، والتي شددت على أن المساس بوحدة المصرف المركزي أو إغلاق الحقول النفطية سيواجه بعقوبات دولية صارمة، إن المجتمع الدولي يدرك تمامًا أن سقوط “آخر القلاع الموحدة” يعني تحول ليبيا إلى دولة فاشلة رسميًا، مما يهدد أمن المتوسط وتدفقات الطاقة العالمية، وهو ما دفع القوى الدولية إلى ممارسة ضغوط مكثفة على القادة السياسيين في طرابلس وبنغازي للعودة إلى طاولة الحوار الفني لترتيب أوضاع المؤسسات السيادية قبل فوات الأوان.
ورغم هذه التحذيرات، ما تزال التجاذبات السياسية تلقي بظلالها على الأداء اليومي لهذه المؤسسات، حيث يشهد القطاع المصرفي أزمة سيولة خانقة ناتجة عن عدم التنسيق في السياسات النقدية، كما تتعرض الموانئ النفطية لتهديدات متكررة بالإغلاق كلما احتدم الخلاف السياسي.
إن هذا الوضع خلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين والشركاء الدوليين، وأدى إلى تراجع قيمة الدينار الليبي، مما زاد من معدلات التضخم وأرهق كاهل الطبقة المتوسطة والفقيرة.
وتؤكد المبادرات المحلية، أن الحل يبدأ من “تحييد الاقتصاد” تماماً عن الصراع العسكري والسياسي، واعتبار المؤسسات الموحدة “ملكًا للشعب الليبي” وليست غنيمة للحكومات المتنافسة، ومع ذلك، تواجه هذه الرؤية مقاومة شديدة من مراكز القوى التي ترى في السيطرة على المال والنفط الوسيلة الوحيدة للبقاء في السلطة وفرض الشروط في أي تسوية سياسية قادمة، مما يجعل المعركة على القلاع الموحدة هي المعركة الأهم في تاريخ ليبيا المعاصر.
هل تنجح “جراحة الإنقاذ” في حماية وحدة الدولة؟
يتوقف مستقبل السيادة الليبية في عام 2026 وما بعده على قدرة النخب الوطنية والضغط الدولي في تمرير “جراحة إنقاذ” ناجحة تعيد للمؤسسات الموحدة استقلاليتها المفترضة، إن السيناريو المتفائل يشير إلى إمكانية نجاح الوساطات في تثبيت “ميثاق وطني” يحرم المساس بالمؤسسات السيادية تحت أي ظرف، مع وضع ضمانات دولية تمنع تسييس التعيينات في المناصب القيادية، وهذا المسار يتطلب إرادة سياسية حقيقية من الأطراف الليبية لتقديم تنازلات مؤلمة من أجل المصلحة العليا.
أما السيناريو القاتم فيتمثل في استمرار التآكل التدريجي لوحدة هذه المؤسسات حتى تصل إلى لحظة الانشطار الكلي، وهو ما يعني فعليًا نهاية الدولة الليبية الموحدة وبروز دويلات صغيرة تتنازع على الموارد والمشروعية، مما سيجعل من الصعب جدًا إعادة توحيد البلاد في المستقبل المنظور بالنظر إلى تعقيدات التدخلات الأجنبية والمصالح المتضاربة للقوى الإقليمية والدولية في الملف الليبي.

