ذات صلة

جمع

غليان في الشارع الليبي.. تراجع الدينار والضرائب الجديدة يشعلان فتيل الاحتجاجات

يعيش الشارع الليبي حالة من الاحتقان الشديد والترقب المشوب...

في مواجهة البرهان.. أطباء السودان يوثقون “جرائم التجويع” كأداة سياسية وعسكرية

إن استمرار الحصار العسكري ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى...

نهاية عصر “الملاذ الآمن”.. كيف اقتربت ساعة الحظر الشامل لتنظيم الإخوان الدولي؟

لسنوات طويلة، ظلت العاصمة البريطانية لندن توصف بأنها "الملاذ...

تصعيد جديد.. إسرائيل ترصد إطلاق صواريخ من إيران نحو الأراضي المحتلة

أعلن الحرس الثوري الإيراني عن إطلاق أول موجة من...

إسرائيل تكشف اسم عمليتها ضد إيران: “الأسد الزائر”

أطلقت تل أبيب اسم “الأسد الزائر” على العملية العسكرية...

غليان في الشارع الليبي.. تراجع الدينار والضرائب الجديدة يشعلان فتيل الاحتجاجات

يعيش الشارع الليبي حالة من الاحتقان الشديد والترقب المشوب بالحذر، في ظل تدهور دراماتيكي للقيمة الشرائية للعملة الوطنية وصدور قرارات مالية وصفت بـ “القاسية”.

فمع مطلع عام 2026، واصل الدينار الليبي تراجعه المسجل أمام العملات الأجنبية في السوق الموازية، متخطيًا مستويات قياسية أربكت حسابات الأسر الليبية، وبالتزامن مع هذا الانهيار، أعلنت السلطات المالية عن فرض “ضريبة إضافية” على الواردات والسلع الكمالية والمواد الخام، في محاولة لتقليص عجز الموازنة وتوفير سيولة نقدية للخزينة العامة.

هذه الازدواجية في الأزمة “تراجع العملة مع زيادة الضرائب” شكلت ضغطًا غير مسبوق على المواطن البسيط، الذي وجد نفسه مضطرًا لمواجهة موجات غلاء عاتية طالت رغيف الخبز والدواء، مما أشعل فتيل احتجاجات غاضبة في عدة مدن ليبية، حيث يرى المتظاهرون أن هذه السياسات تمثل “إفقارًا ممنهجًا” وتجاهلاً تامًا للواقع المعيشي المتردي الذي يعاني منه الشعب منذ سنوات نتيجة الانقسامات السياسية والحروب المتلاحقة.

صدمة ضريبة الواردات

جاء قرار فرض ضريبة جديدة على الواردات كالصاعقة على قطاع التجارة والأعمال في ليبيا، حيث تعتمد البلاد بنسبة تزيد عن 80% على استيراد احتياجاتها من الخارج، ومع تطبيق هذه الرسوم الجديدة، سارع التجار والمستوردون إلى رفع أسعار السلع المتوفرة في المخازن تحسبًا لتكاليف الشحنات القادمة، مما خلق حالة من الفوضى في الأسواق المحلية.

ويؤكد خبراء الاقتصاد، أن توقيت فرض هذه الضريبة كان “خاطئًا بامتياز”، إذ لا يمكن فرض ضرائب استهلاكية في وقت تعاني فيه العملة من ضعف هيكلي حاد وتضخم متسارع، لأن النتيجة المباشرة هي انتقال عبء هذه الضريبة بالكامل إلى كاهل المستهلك النهائي.

الشارع الليبي الذي كان يأمل في “انفراجة” اقتصادية بعد تقارير عن زيادة الإنتاج النفطي، وجد نفسه أمام واقع يفرض عليه دفع ثمن “الفشل الإداري” والفساد المستشري في بعض المؤسسات، مما جعل من شعارات الرفض للضرائب قاسمًا مشتركًا في المسيرات الاحتجاجية التي جابت شوارع العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الشرقية والجنوبية على حد سواء.

تراجع العملة والسياسة النقدية

في عمق الأزمة، يبرز تراجع الدينار الليبي كمعضلة هيكلية فشل المصرف المركزي في إيجاد حلول مستدامة لها حتى الآن، فرغم المحاولات المتكررة لتوحيد سعر الصرف وضبط السوق الموازية، إلا أن المضاربات وعدم استقرار التدفقات النقدية من النقد الأجنبي أبقت الدينار في حالة نزيف مستمر.

تراجع الثقة في السياسات النقدية دفع المواطنين والشركات إلى التكالب على شراء الدولار والذهب لحماية مدخراتهم، وهو ما زاد من وتيرة انهيار العملة المحلية.

إن هذا التدهور لا يعني فقط غلاء الأسعار، بل يعني تبخر قيمة الرواتب الحكومية التي يتقاضاها ملايين الليبيين، والتي لم تشهد زيادات حقيقية تتناسب مع معدلات التضخم المسجلة.

وفي ظل هذا المشهد، بات المواطن يرى في “المصرف المركزي” و”الحكومة” طرفي كماشة تضغط على حياته اليومية؛ فالأول يعجز عن حماية العملة، والثانية تلاحقه بضرائب جديدة لتغطية نفقاتها المتضخمة، مما جعل من خيار “الخروج إلى الشارع” الوسيلة الوحيدة للتعبير عن اليأس من الإصلاحات الورقية التي لا تلامس جوع الناس ومعاناتهم.

تداعيات الاستقرار الاجتماعي

إن استمرار هذا الغليان الشعبي يضع الاستقرار الاجتماعي الهش في ليبيا على المحك، فالاحتجاجات الحالية ليست مطلبية سياسية فحسب، بل هي “ثورة خبز” مدفوعة بالحاجة الأساسية للبقاء.

وحذر مراقبون دوليون ومحليون من أن تجاهل مطالب المتظاهرين قد يؤدي إلى انزلاق البلاد نحو موجة جديدة من الاضطرابات الأمنية التي قد تستغلها أطراف سياسية لتصفية حساباتها.

الغضب في ليبيا اليوم يتجاوز الانقسامات التقليدية بين شرق وغرب، فالجوع لا يعرف حدودًا جغرافية، والضريبة تضرب الجميع بلا استثناء، مما قد يؤدي إلى تشكيل “جبهة شعبية” موحدة تتجاوز الأجندات الحزبية، إذا لم تسارع السلطات إلى اتخاذ خطوات تهدئة فورية، مثل تجميد قرار الضريبة أو تقديم حزم دعم عاجلة للسلع الأساسية، فإن المشهد الليبي مرشح لمزيد من التصعيد الذي قد يطيح بالتوافقات السياسية الهشة التي بُنيت خلال العام الماضي، ويعيد البلاد إلى مربع الفوضى الشاملة التي لا يملك أحد القدرة على احتوائها.

خيارات المواجهة والحلول

إن الأزمة الاقتصادية في ليبيا لعام 2026 ليست مجرد أرقام في موازنات حكومية، بل هي قصة معاناة إنسانية تتفاقم مع كل قرار مالي غير مدروس.

إن الحل يتطلب شجاعة سياسية في التراجع عن القرارات التي تمس قوت المواطن، مع ضرورة البدء في إصلاحات هيكلية حقيقية تشمل محاربة الفساد المالي وتوحيد المؤسسات الاقتصادية بشكل فعلي بعيدًا عن الصراعات الجهوية.

المواطن الليبي الذي صبر عقودًا على الأزمات السياسية، يبدو أنه قد وصل إلى نقطة “الانفجار الكلي” الذي لا يمكن إخماده بالوعود.

إن ساعة الحقيقة قد دقت في ليبيا؛ فإما أن تستجيب السلطات لغضب الشارع وتوفر مقومات العيش الكريم، وإما أن يستمر هذا “الثنائي القاتل” (تراجع الدينار والضرائب) في هدم ما تبقى من جسور الثقة بين الشعب وحكامه، ليبقى المشهد الليبي مفتوحًا على كافة الاحتمالات، في ظل غليان لا يبدو أنه سينطفئ قريبًا ما لم تتغير السياسات وتتحسن المعيشة.