تتصاعد حدة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة بشكل غير مسبوق، واضعةً مؤسسات الإغاثة الدولية وعلى رأسها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مواجهة مباشرة مع آلة الحرب التي لا تفرق بين مدني وعسكري، ولا بين ثكنة ومدرسة تابعة للأمم المتحدة.
إن المشهد الحالي في غزة يتجاوز كونه مجرد صراع مسلح، بل هو اختبار حقيقي للضمير العالمي وللمواثيق الدولية التي أُقرت لحماية المدنيين في أوقات النزاع، حيث تجد الأونروا نفسها اليوم مكبلة بالاستهداف المباشر لمقراتها وكوادرها، في وقت تزداد فيه الحاجة الماسة لخدماتها الإغاثية والطبية.
الاستهداف الممنهج.. مراكز الأونروا تحت القصف المستمر
لم تعد شعارات الأمم المتحدة المرفوعة فوق المدارس والمراكز الصحية في غزة توفر الحماية المفترضة لمن احتموا بها، إذ وثقت التقارير الميدانية عشرات الحالات التي تعرضت فيها هذه المنشآت للقصف المباشر أو الأضرار الجسيمة نتيجة العمليات العسكرية المحيطة بها.
إن تحويل هذه المراكز التي تؤوي مئات الآلاف من النازحين إلى أهداف عسكرية يمثل خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وهو ما دفع قيادات الأونروا إلى إطلاق نداءات استغاثة متكررة للمجتمع الدولي للتدخل الفوري ووقف هذه التجاوزات.
هذا الاستهداف الممنهج لا يسفر فقط عن سقوط ضحايا في صفوف المدنيين العزل، بل يؤدي أيضًا إلى شلل شبه كامل في قدرة الوكالة على تقديم المساعدات الغذائية والدوائية، مما يفاقم من معاناة السكان الذين فقدوا كل سبل العيش الأخرى، ويجعل من فكرة “الملاذ الآمن” مجرد وهم في ظل استمرار القصف العنيف الذي لا يستثني أحدًا.
دبلوماسية الإغاثة.. جهود الأونروا لانتزاع الحماية الدولية
تحاول وكالة الأونروا من خلال قنواتها الدبلوماسية والسياسية الضغط على القوى الدولية الفاعلة لفرض مناطق آمنة وحماية قانونية فعلية للمدنيين، مستندة إلى تفويضها الأممي ومسؤوليتها الأخلاقية تجاه ملايين اللاجئين.
هذه المعركة الدبلوماسية تدور في أروقة مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تطالب الوكالة بضرورة تحييد المنشآت الإنسانية وتوفير ممرات آمنة لمرور القوافل الإغاثية التي تتعرض للمنع أو العرقلة بشكل متكرر.
ومع ذلك، تصطدم هذه الجهود بواقع سياسي دولي منقسم، حيث تكتفي بعض الدول ببيانات الإدانة دون اتخاذ إجراءات فعلية على الأرض تلزم الأطراف المتصارعة باحترام حرمة المؤسسات الأممية، مما يترك الأونروا وحيدة في مواجهة كارثة إنسانية تتسع رقعتها كل ساعة، ويجعل من صرخات الاستغاثة التي يطلقها مسؤولو الوكالة صدىً في وادٍ سحيق من التجاهل السياسي الدولي.
الواقع المرير.. حياة النازحين بين الجوع وفقدان الأمن
يعيش النازحون في مراكز الأيواء التابعة للأونروا ظروفًا تفوق قدرة البشر على التحمل، حيث يكتظ آلاف الأشخاص في مساحات ضيقة تفتقر لأدنى مقومات النظافة والصحة العامة، مما أدى إلى انتشار الأمراض والأوبئة بشكل مخيف بين الأطفال والنساء.
إن غياب الحماية الدولية لم يقتصر على التهديد الأمني فحسب، بل امتد ليشمل الحرمان من الحقوق الأساسية في الغذاء والماء، حيث تعجز الأونروا عن تلبية احتياجات هذا الكم الهائل من النازحين بسبب الحصار الخانق والقيود المفروضة على دخول الشاحنات الإغاثية.
هذا الوضع المأساوي يضع المدنيين في غزة أمام خيارين أحلاهما مر، فإما البقاء في مراكز الإيواء المعرضة للقصف في أي لحظة، أو النزوح مجددًا إلى مناطق أخرى قد لا تكون أكثر أمنًا، في رحلة بحث يائسة عن مكان يحميهم من الموت المتربص بهم في كل زاوية، وسط غياب تام لأي ضمانات دولية تحمي أرواحهم.
كوادر الإغاثة.. أبطال في خط النار وضريبة الدم
لا يمكن الحديث عن دور الأونروا دون الإشارة إلى التضحيات البطولية التي يقدمها موظفو الوكالة، الذين يواصلون عملهم تحت القصف وفي ظروف أمنية بالغة الخطورة، حيث سجلت الأزمة الحالية أكبر حصيلة من الضحايا في صفوف موظفي الأمم المتحدة في تاريخها الحديث.
هؤلاء العاملون، والذين هم في الغالب من سكان غزة أنفسهم، يواجهون مأساة مزدوجة، فهم ضحايا للنزاع من جهة، ومطالبون بتقديم العون لغيرهم من جهة أخرى، وكثيرًا ما يفقدون أفرادًا من عائلاتهم أو منازلهم وهم يؤدون واجبهم الإنساني.
إن استهداف الطواقم الإغاثية يهدف بشكل غير مباشر إلى تقويض العملية الإنسانية برمتها وإجبار المنظمات الدولية على الانسحاب أو تقليص عملياتها، وهو ما ترفضه الأونروا حتى الآن، معتبرة أن بقاءها في غزة هو الضمانة الأخيرة لمنع انهيار مجتمعي كامل، رغم الثمن الباهظ الذي تدفعه من دماء أبنائها المخلصين.
هل ينجو الضمير العالمي في اختبار غزة؟
يبقى السؤال حول نجاح الأونروا في فرض حماية دولية للمدنيين معلقًا بإرادة المجتمع الدولي وقدرته على ترجمة القوانين الإنسانية إلى واقع ملموس يحمي الأبرياء من ويلات الحرب.
إن الفشل في تأمين الحماية للمدنيين في غزة لا يمثل هزيمة للأونروا وحدها، بل هو انهيار للمنظومة القيمية والقانونية التي تأسست عليها الأمم المتحدة منذ عقود، وينذر بمستقبل قاتم يسود فيه قانون الغاب وتغيب فيه حرمة النفس البشرية، وإن العالم اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى بدعم الأونروا ليس بالمال فقط، بل بالموقف السياسي الصلب الذي يضع حماية المدنيين فوق كل اعتبار، ويضمن محاسبة كل من يتجرأ على استهداف المؤسسات الإغاثية أو استخدام المدنيين كوقود في صراعات سياسية وعسكرية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ليبقى الأمل قائمًا في استعادة الحد الأدنى من الإنسانية في هذا الركن الجريح من العالم.

