دخل لبنان مرحلة حاسمة من تاريخه الاقتصادي، حيث عادت للواجهة من جديد قضية “احتياطي الذهب” بوصفها الورقة الأخيرة والوحيدة المتبقية على طاولة المفاوضات لإنقاذ الاقتصاد المتداعي والمصارف المفلسة.
وبعد سنوات من المماطلة في تنفيذ إصلاحات صندوق النقد الدولي، كشف تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” اللندنية، أن الحكومة اللبنانية، بالتنسيق مع مصرف لبنان، تدرس جديًا إمكانية تسييل جزء من احتياطي الذهب أو استخدامه كضمانة دولية للحصول على قروض طارئة.
إن هذا التوجه يضع لبنان أمام مفترق طرق خطير؛ فإما التمسك بـ “بوليصة التأمين” التاريخية المتمثلة في 286 طنًا من الذهب، أو التفريط بها لسداد ديون تراكمت نتيجة سياسات مالية خاطئة، وهو ما يثير انقسامًا حادًا بين طبقة سياسية تبحث عن مخرج سريع، وشارع غاضب يرى في الذهب “خطًا أحمر” لا يجوز المساس به لتعويض خسائر البنوك.
قيمة الكنز الذهبي وموقعه في التوازنات الدولية
يمتلك لبنان ثاني أكبر احتياطي من الذهب في المنطقة العربية بعد المملكة العربية السعودية، حيث تُقدر الكمية الموجودة في خزائن مصرف لبنان وفي قلعة “فورت نوكس” بالولايات المتحدة بنحو 9.22 مليون أونصة.
ومع الارتفاعات القياسية لأسعار المعدن الأصفر في مطلع عام 2026، حيث لامست الأونصة مستويات تاريخية، تجاوزت القيمة السوقية للذهب اللبناني حاجز الـ 45 مليار دولار.
هذه الثروة الهائلة هي ما جعلت “فايننشال تايمز” تشير إلى أن تسييل الذهب قد يغطي جزءًا كبيرًا من الفجوة المالية المقدرة بـ 72 مليار دولار، لكن العائق الأكبر يظل قانونيًا وتاريخيًا؛ إذ يحظر القانون اللبناني الصادر في العام 1986 بيع أو رهن الذهب إلا بموجب تشريع خاص من البرلمان.
إن هذا القانون صُمم خصيصًا في عز الحرب الأهلية لحماية أصول الدولة من النهب، واليوم يُنظر إليه كدرع حماية ضد ما تصفه جمعيات المودعين بـ “عملية السطو الأخيرة” على ممتلكات الشعب.
ضغوط المصارف وسيناريوهات الإنقاذ المطروحة
تشير كواليس اللقاءات التي جرت في بيروت خلال الأسابيع الأخيرة إلى أن جمعية المصارف اللبنانية تضغط بقوة لاعتبار الذهب جزءاً من أصول الدولة التي يجب استخدامها لرد الودائع وتغطية التزامات مصرف لبنان تجاه البنوك التجارية.
ومن بين السيناريوهات المطروحة التي ناقشها تقرير الصحيفة البريطانية، هو “تأجير الذهب” للبنوك المركزية الكبرى مقابل فوائد بالدولار، مما يوفر سيولة نقدية فورية دون فقدان الملكية الفعلية للسبائك.
ومع ذلك، يحذر خبراء الاقتصاد من أن هذا الخيار قد ينتهي بمصادرة الذهب في حال عجز لبنان عن سداد الالتزامات المرتبطة به، تمامًا كما حدث مع تجارب دولية سابقة مثل فنزويلا.
إن المصارف اللبنانية ترى في الذهب “رصاصة الرحمة” التي ستعيد إليها الثقة الدولية، بينما يخشى المجتمع المدني من أن تذهب هذه الأموال لترميم ميزانيات البنوك دون أن يحصل صغار المودعين على تعويضات عادلة.
شروط صندوق النقد الدولي ومعضلة السيادة
على الجانب الآخر، ما يزال صندوق النقد الدولي متمسكًا بموقفه الرافض لأي حلول ترقيعية لا تشمل إعادة هيكلة شاملة للدين العام والقطاع المصرفي.
وبحسب مصادر مقربة من بعثة الصندوق في لبنان لعام 2026، فإن الصندوق لم يطلب رسميًا بيع الذهب، بل يطالب بتحديد “توزيع عادل للخسائر”.
المشكلة تكمن في أن الطبقة السياسية اللبنانية تحاول تجنب “الكأس المرة” للإصلاحات الهيكلية التي تفرض الشفافية والمحاسبة، وتفضل بدلاً من ذلك التضحية بالأصول السيادية مثل الذهب أو عقارات الدولة.
إن استخدام الذهب كضمانة للحصول على قرض من الصندوق قد يكون مخرجًا فنيًا، لكنه يحمل مخاطر سياسية كبرى؛ حيث يخشى اللبنانيون من أن يصبح الذهب رهينة لمطالب سياسية خارجية، مما يفقد البلاد آخر عناصر قوتها الاقتصادية ورمزية استقرار عملتها المنهارة.
الرفض الشعبي ومخاوف تبديد الثروة السيادية
تتزايد حدة التحركات الميدانية في شوارع بيروت رفضًا لأي مساس بالاحتياطي الذهبي، حيث أطلقت نقابات المهن الحرة ومنظمات حقوقية حملات تحت شعار “ذهبنا هو مستقبلنا”.
الحجة الأساسية للمعارضين هي أن الذهب نجا من 15 عامًا من الحرب الأهلية ومن كافة الأزمات السياسية السابقة بفضل الحماية القانونية، وأن التفريط به اليوم في ظل غياب سلطة قضائية مستقلة ونظام مالي شفاف يعني تبديد آخر آمال التعافي للأجيال القادمة.
إن الذهب في الثقافة اللبنانية يمثل “بيت العائلة” الذي لا يُباع إلا في حالات الكوارث الوجودية، واللبنانيون لا يثقون في أن عائدات البيع ستُستخدم لإعادة إعمار الاقتصاد، بل يخشون من وقوعها في قنوات الفساد التقليدية.
ومع انقضاء الربع الأول من عام 2026، تظل العين على البرلمان اللبناني؛ فهل يجرؤ النواب على كسر قفل الخزنة التاريخية، أم أن الضغط الشعبي والدولي سيجبرهم على سلوك طريق الإصلاح الحقيقي بعيدًا عن بريق الذهب؟

