ذات صلة

جمع

شريان المليشيا المسوم.. كيف تحولت الجبايات الحوثية إلى مقصلة تخنق تجار اليمن؟

لم يعد العمل التجاري في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا...

عدالة معطلة.. متى يحاسب البرهان وجنرالاته على جرائم الحرب واستخدام الكيماوي؟

مع دخول النزاع السوداني مراحل شديدة الخطورة، تصاعدت حدة...

مستقبل العملية السياسية في العراق.. هل يمهد إصرار المالكي لانسداد جديد؟

يمر العراق بمرحلة هي الأدق في تاريخه السياسي الحديث،...

من خنادق باخموت إلى ثلوج القطب.. كيف فقدت روسيا زخمها الدفاعي في القطب الشمالي؟

مع دخول عام 2026، بات من الواضح أن تداعيات الحرب في أوكرانيا لم تتوقف عند حدود القارة الأوروبية، بل امتدت لتطال أحد أكثر الحصون الروسية استراتيجية وهو القطب الشمالي.

إن “الاستنزاف الذكي” الذي مارسته أوكرانيا ضد القدرات العسكرية الروسية، بدعم تقني ولوجستي من حلف الناتو، أدى إلى تفريغ القواعد العسكرية الروسية في الدائرة القطبية من نخبها القتالية ومعداتها المتطورة.

فمنذ معارك “باخموت” الدامية وصولاً إلى جبهات الاستنزاف الحالية، اضطرت القيادة العسكرية في موسكو إلى سحب وحدات النخبة من “لواء المشاة الآلي المستقل رقم 200” التابع للأسطول الشمالي، وإرسالها إلى المحرقة الأوكرانية، مما ترك المنشآت الحيوية في القطب الشمالي تحت حماية قوات احتياطية تفتقر للخبرة والجاهزية.

هذا التحول الدراماتيكي منح حلف شمال الأطلسي (الناتو) نافذة أمل غير مسبوقة لتعزيز نفوذه في منطقة كانت تُعد تاريخيًا “بحيرة روسية” محصنة، مما يمهد الطريق لإعادة صياغة موازين القوى قبل أن يحتدم الصراع الفعلي على الموارد الطبيعية والممرات الملاحية في القطب المتجمد.

من خنادق باخموت إلى ثلوج القطب.. نزيف النخبة الروسية

تمثل منطقة القطب الشمالي بالنسبة لروسيا عمقًا استراتيجيًا لا يمكن المساس به، حيث تضم الجزء الأكبر من قدرات الردع النووي البحري الروسي المتمركزة في شبه جزيرة كولا.

ومع ذلك، فإن ضغط الحرب في أوكرانيا أجبر الكرملين على اتخاذ قرارات “مؤلمة” تمثلت في التضحية بالجاهزية الدفاعية للشمال مقابل سد الثغرات في جبهات القتال الجنوبية.

إن التقارير الاستخباراتية لعام 2026 تؤكد أن روسيا فقدت ما يقرب من 70% من قوات النخبة المخصصة للعمليات القطبية في معارك المدن الأوكرانية، وهي قوات تم تدريبها لسنوات طويلة على القتال في ظروف مناخية قاسية.

هذا النزيف البشري والمادي لم يتوقف عند الأفراد، بل امتد ليشمل سحب منظومات الدفاع الجوي المتطورة مثل “S-400” من القواعد القطبية لحماية المطارات والمنشآت النفطية الروسية من الطائرات المسيرة الأوكرانية، مما جعل السماء القطبية الروسية مكشوفة بشكل لم يسبق له مثيل منذ نهاية الحرب الباردة، وهو ما يراقبه الناتو بكثير من الاهتمام والحذر الاستراتيجي.

علاوة على ذلك، فإن العقوبات الغربية المشددة أدت إلى شلل شبه كامل في مشاريع تطوير البنية التحتية الطموحة التي كانت روسيا تخطط لها في القطب الشمالي. فمشاريع الغاز المسال وإنشاء كاسحات جليد نووية جديدة واجهت عقبات تمويلية وتقنية هائلة بعد انسحاب الشركاء الغربيين وتوجيه السيولة النقدية الروسية نحو المجهود الحربي.

إن استنزاف أوكرانيا لروسيا لم يكن عسكريًا فحسب، بل كان استنزافًا اقتصاديًا أطاح بأحلام موسكو في أن تصبح القوة المهيمنة الوحيدة على “طريق الحرير القطبي”.

وبدلاً من أن تكون روسيا هي من يضع قواعد اللعبة في الشمال، أصبحت الآن في وضع دفاعي تحاول فيه الحفاظ على الحد الأدنى من الوجود العسكري والمدني، بينما تتحرك دول الناتو، وخاصة بعد انضمام فنلندا والسويد، لإحكام قبضتها على مداخل القطب الشمالي، مستغلة حالة الضعف والترنح التي يعاني منها “الدب الروسي” المنشغل بجراحه في خنادق الدونباس وباخموت.

فرصة الناتو التاريخية.. ملء الفراغ قبل احتدام الصراع الكبير

يرى مخططو حلف الناتو في عام 2026، أن الضعف الروسي الحالي في القطب الشمالي يمثل “فرصة ذهبية” لا تتكرر، حيث بدأ الحلف بالفعل في تكثيف مناوراته العسكرية في شمال النرويج وبحر بارنتس تحت مسميات “الاستجابة القطبية”.

إن انضمام القوات الجوية والبرية الفنلندية والسويدية المتمرسة في حروب الغابات والثلوج منح الناتو تفوقًا نوعيًا يتجاوز العدد، ليصبح القطب الشمالي ساحة لاختبار تكتيكات جديدة تهدف إلى تحييد ما تبقى من الأسطول الشمالي الروسي و إن الاستراتيجية الأطلسية الجديدة تعتمد على “التمدد الهادئ” لملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب الروسي، مع التركيز على نشر رادارات متطورة ومنظومات صواريخ بعيدة المدى قادرة على مراقبة التحركات الروسية بدقة متناهية.

هذا التمدد لا يهدف فقط إلى احتواء روسيا، بل يهدف أيضًا إلى توجيه رسالة قوية للصين، التي كانت تحاول التحالف مع روسيا لضمان موطئ قدم في القطب الشمالي، مفادها أن الناتو هو السيد الجديد لهذه المنطقة الحيوية.

ومع اقتراب ذوبان الجليد القطبي بفعل التغير المناخي، يزداد التنافس على ممرات الملاحة الدولية التي تختصر الوقت بين آسيا وأوروبا بنسبة 40%.

وهنا تبرز أهمية الاستنزاف الأوكراني لروسيا؛ فلو كانت روسيا في كامل قوتها لعام 2022، لكانت قد فرضت سيطرتها المطلقة على هذه الممرات بقوة السلاح.

أما اليوم، ومع تآكل زخمها الدفاعي، تجد موسكو نفسها مضطرة لتقديم تنازلات أو الوقوف عاجزة أمام تدويل “طريق البحر الشمالي”.

إن أوكرانيا، بوقوفها في وجه الآلة العسكرية الروسية، قد قدمت للغرب خدمة جيوسياسية تتجاوز حدودها الإقليمية، حيث منحت العالم “قطبًا شماليًا” أكثر انفتاحًا وأقل خضوعًا للابتزاز العسكري الروسي.

وبذلك، يتحول الصراع من مواجهة مباشرة محتملة بين القوى العظمى إلى سباق نفوذ يمتلك فيه الناتو اليد العليا، بفضل “الإنهاك” الذي تعرض له الجيش الروسي في أوكرانيا، والذي جعل من القطب الشمالي جبهة ثانوية في حسابات الكرملين المأزومة.