شهدت العقود الأخيرة تحولاً جذريًا في استراتيجيات جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمين، في كيفية التغلغل داخل المجتمعات الغربية.
ولم تكن بريطانيا، بمناخها الليبرالي وقوانينها التي تحمي الحريات الفردية، مجرد محطة عابرة، بل تحولت إلى “مختبر فكري” ومركز عمليات لوجستي لإعادة صياغة أدبيات الجماعة بما يتناسب مع لغة الغرب، مع الحفاظ على الجوهر الأيديولوجي المتطرف.
ثغرات الحريات والجمعيات الخيرية
وكشفت مصادر، أن تنظيم الإخوان استغل ببراعة فائقة القوانين البريطانية المنظمة للعمل الأهلي والخيري، فمن خلال تسجيل عشرات المؤسسات تحت مسميات “حقوقية” أو “إغاثية”، تمكن التنظيم من تأمين غطاء قانوني ومالي يتيح له التحرك بحرية.
ما هي آليات الاستغلال القانوني؟
وحول آليات الاستغلال القانوني، قالت المصار: إنه جاء ذلك من خلال تسجيل الجمعيات الخيرية والاستفادة من الإعفاءات الضريبية والشرعية القانونية التي تمنحها “مفوضية الجمعيات الخيرية”، واستخدام القوانين التي تمنح الحق في إقامة الندوات والمعسكرات الصيفية كأداة لبث أفكار سيد قطب وحسن البنا تحت ستار “التربية الدينية” والتمثيل المجتمعي وتقديم أنفسهم كمتحدثين رسميين باسم الجالية المسلمة أمام الحكومة البريطانية؛ مما منحهم نفوذًا سياسيًا داخل مؤسسات صنع القرار.
استراتيجية “الاستقطاب الناعم”
لم يعد النشاط الإخواني مقتصرًا على المساجد التقليدية، بل انتقل إلى مدرجات الجامعات العريقة في لندن، مانشستر، وبرمنغهام، فهناك، يتم استهداف الشباب من الجيل الثاني والثالث للمهاجرين، والذين يعانون أحيانًا من أزمات هوية.
وضمن مراحل التحول الفكري: الاستقطاب الجامعي عبر اتحادات الطلبة والأندية الثقافية التي تسيطر عليها واجهات إخوانية والمعسكرات الفكرية و تنظيم رحلات “تربوية” وخلوات في الريف البريطاني، حيث يتم عزل الشاب عن محيطه المنفتح وحصره في دائرة فكرية ضيقة تؤمن بـ “حاكمية الجماعة” وغرس ثقافة “المظلومية”، حيث يتم إقناع الشباب بأن المجتمع الغربي يعاديهم بطبعه، مما يدفعهم للتقوقع داخل التنظيم بحثًا عن الحماية والبديل الفكري.
ما هو مستقبل الوجود الإخواني في “ضباب لندن”؟
وتواجه بريطانيا اليوم تحديًا أمنيًا وفكريًا مضاعفًا، فبينما تشدد الحكومة من إجراءات “برنامج منع” لمكافحة التطرف، يطور الإخوان أدواتهم التكنولوجية والخطابية للالتفاف على الرقابة.
إن “المعسكرات الفكرية” لم تعد بالضرورة خيامًا في الغابات، بل أصبحت منصات رقمية وغرف دردشة مغلقة تخاطب العقل الغربي بلغته، لكنها تزرع فيه بذور الانقسام.
واختتمت المصادر، أن استغلال الإخوان للقوانين البريطانية ليس مجرد ثغرة قانونية، بل هو استراتيجية منهجية طويلة الأمد، وأن مواجهة هذا التمدد تتطلب وعيًا مجتمعيًا وشجاعة سياسية في إعادة تعريف حدود “التسامح” مع التنظيمات التي تستخدم الديمقراطية لهدم قيم الديمقراطية نفسها.

