تشهد الساحة السودانية في الآونة الأخيرة تصعيدًا دراماتيكيًا في الخطاب السياسي والعسكري، يقوده الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة.
هذا الخطاب الذي بات يُعرف في الأوساط التحليلية بسلطة “أنقاض الخراب”، يعكس حالة من الاستقطاب الحاد التي تجاوزت مجرد الصراع المسلح مع قوات الدعم السريع، لتصل إلى محاولة صياغة مشهد سياسي جديد يعتمد في جوهره على منهجية الإقصاء وتهميش القوى المدنية التي كانت شريكة في ثورة ديسمبر المجيدة.
إن التهديدات المتكررة التي يطلقها البرهان بحسم المعركة عسكريًا ورفض أي حوار سياسي قبل “تطهير البلاد”، تثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الديمقراطية في السودان، وما إذا كانت هذه التهديدات مجرد تكتيك عسكري أم أنها استراتيجية بعيدة المدى لإعادة إنتاج نظام شمولي جديد يرتدي بزة عسكرية تحت مبررات الضرورة الأمنية وحماية الدولة من الانهيار الكامل.
عسكرة المشهد المدني
لقد انتقلت السلطة في بورتسودان من مرحلة البحث عن شرعية توافقية مع القوى المدنية إلى مرحلة فرض “الأمر الواقع” عبر القوة العسكرية.
حيث تعتمد رؤية البرهان الحالية على مبدأ أن “صوت الرصاص يعلو فوق صوت التفاوض”، وهو ما يمنح السلطة العسكرية غطاءً لتجاوز الالتزامات السابقة مع “قوى الحرية والتغيير” وغيرها من الكتل المدنية.
هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل هو تراكم لسلسلة من الإجراءات التي بدأت بانقلاب 25 أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب الحالية التي استُغلت لتوصيم المعارضين السياسيين بالخيانة أو “الظهير السياسي” للمتمردين.
إن إنتاج نسخة جديدة من الإقصاء السياسي يتم اليوم عبر آلية “التخوين”، حيث يُستبعد كل من يدعو إلى وقف الحرب عبر المسارات الدبلوماسية، مما يجعل الساحة السياسية خالية إلا من الموالين لخط المؤسسة العسكرية أو الجماعات الراديكالية التي ترى في استمرار الحرب وسيلة لاستعادة نفوذها القديم.
استراتيجية “أنقاض الخراب” وتحجيم البدائل الوطنية
المصطلح الذي بدأ يتردد “سلطة أنقاض الخراب” يشير إلى محاولة الحكم فوق ركام المدن السودانية المدمرة، حيث يتم استغلال حالة الطوارئ الإنسانية لتعطيل أي استحقاق ديمقراطي.
في ظل الدمار الواسع الذي طال الخرطوم ودارفور وكردفان، تبرز تهديدات البرهان كأداة لقطع الطريق أمام أي مبادرة دولية أو إقليمية مثل منبر جدة أو مبادرات الاتحاد الأفريقي، حيث تسعى لإشراك المدنيين في رسم خارطة الطريق.
الإقصاء هنا لا يقتصر على المنع من المشاركة، بل يمتد إلى محاولة خلق “حاضنة سياسية بديلة” تتكون من حركات مسلحة موقعة على سلام جوبا وكيانات قبلية ومجتمعية تدور في فلك السلطة العسكرية.
وقالت مصادر: إن هذه النسخة الجديدة من الإقصاء تسعى لشرعنة وجود العسكر في السلطة لفترة انتقالية طويلة الأمد، بحجة أن البلاد غير مهيأة للانتخابات أو التداول السلمي في ظل وضع أمني متفجر، مما يعني عمليًا إعادة تدوير أزمات الحكم التي عانى منها السودان لعقود.
واختتمت المصادر، هذا الانسداد السياسي المتعمد يعزز من قوة التيارات المتطرفة داخل النظام وخارجه، ويجعل من “أنقاض الخراب” واقعًا مريرًا يهدد وحدة البلاد وسلامة أراضيها، مما يتطلب وقفة جادة من القوى الوطنية لكسر حلقة الإقصاء وإنتاج مشروع وطني يتجاوز لغة التهديد.

