كشفت الصور الجوية القادمة من ولاية جيجل شمال شرقي الجزائر عن مشهد صادم خلفته موجة الحرائق التي اجتاحت المنطقة، بعدما تحولت مساحات واسعة من الغابات والجبال الخضراء إلى أراضٍ سوداء مغطاة بالرماد، في كارثة أوقعت عشرات الضحايا وخلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وتظهر اللقطات المصورة من الجو حجم الدمار الذي طال الغطاء النباتي، حيث امتدت آثار النيران على مساحات واسعة من المناطق التي كانت تشتهر بكثافة غاباتها وطبيعتها الجبلية، لتبدو المنطقة مختلفة تمامًا عن صورتها التي جعلتها واحدة من أبرز الوجهات السياحية في الجزائر.
حين ابتلعت النيران الجبال
وقد كانت جيجل، المعروفة بلقب “لؤلؤة الساحل”، من أكثر المناطق التي تعرضت لآثار الحرائق، بعدما التهمت النيران أجزاء واسعة من الغطاء النباتي وألحقت أضرارًا بالممتلكات والمناطق الزراعية.
وتشير التقديرات الأولية إلى احتراق نحو 80% من الغطاء النباتي في المناطق الأكثر تضررًا، وهو ما يمثل خسارة بيئية ضخمة لمنطقة ارتبط اسمها لعقود بالغابات الكثيفة والجبال والمساحات الطبيعية التي تستقطب عشرات الآلاف من السياح سنويًا.
ولا تقتصر تداعيات الحريق على المشهد البيئي، إذ يهدد فقدان مساحات واسعة من الغابات بتغيير طبيعة المنطقة خلال السنوات المقبلة، فيما تحتاج إعادة تأهيل المناطق المحترقة إلى وقت طويل، خاصة أن استعادة الغطاء النباتي لن تكون عملية سريعة.
قرى دفعت الثمن الأكبر
وفي بلدة بني حبيبي، غربي جيجل، تحولت الكارثة البيئية إلى مأساة إنسانية بعدما أعلنت السلطات المحلية تسجيل 73 حالة وفاة بصورة مؤقتة، وسط استمرار عمليات البحث عن مفقودين وعدم اكتمال الحصيلة النهائية للضحايا.
ودفنت الجمعة جثامين 39 من ضحايا الحرائق في البلدة، في مراسم اتسمت بالحزن الشديد، بحضور رئيس الوزراء سيفي غريب وعدد كبير من السكان.
وتكشف تفاصيل المأساة عن حجم الخطر الذي واجهه السكان خلال محاولات الفرار من المناطق المشتعلة، إذ لقي بعض الضحايا حتفهم أثناء مغادرة منازلهم، بينما فقد آخرون حياتهم خلال محاولات إنقاذ ممتلكاتهم ومواشيهم ومحاصيلهم الزراعية.

مأساة عائلة واحدة
ومن أكثر الوقائع مأساوية ما كشفه أحد شهود العيان عن وفاة 21 شخصًا من عائلة واحدة في أعالي بني حبيبي، في واحدة من أكثر الحوادث دموية التي ارتبطت بالحرائق.
وتشير هذه الواقعة إلى سرعة انتشار النيران وصعوبة الهروب من المناطق المتضررة، خصوصًا مع وجود السكان بالقرب من الغابات والمناطق الجبلية، واعتماد عدد من الأسر على الزراعة وتربية المواشي كمصادر أساسية للدخل.
كما تعرضت الممتلكات الزراعية لأضرار كبيرة، مع احتراق محاصيل وفقدان مواشٍ وممتلكات في المناطق التي اجتاحتها النيران.
أرقام لم تُغلق بعد
ورغم إعلان حصيلة مؤقتة بلغت 73 قتيلاً، فإن السلطات الجزائرية لم تتمكن حتى الآن من الوصول إلى رقم نهائي، في ظل استمرار عمليات البحث عن عدد من المفقودين وتقييم الأضرار التي خلفتها الحرائق.
وتزيد صعوبة تحديد الخسائر من تعقيد المشهد، خصوصًا في المناطق الجبلية والغابية التي تعرضت للدمار، بينما تعمل الجهات المختصة على حصر الأضرار البشرية والمادية والبيئية.
وتبقى الأولوية في المرحلة الحالية لتحديد مصير المفقودين، ومساندة الأسر المتضررة، وإعادة تأهيل المناطق التي تعرضت للحرائق.
ولا تبدو فاجعة جيجل مجرد موسم حرائق عابر، فحجم الدمار الذي طال الغابات يجعل آثار الكارثة ممتدة إلى ما هو أبعد من الخسائر البشرية المباشرة.
ففقدان مساحات ضخمة من الغطاء النباتي يضرب واحدًا من أهم عناصر الهوية الطبيعية للولاية، ويهدد كذلك النشاط السياحي والزراعي ويزيد من هشاشة البيئة أمام موجات الحرائق المستقبلية.

