ذات صلة

جمع

الانشقاقات الداخلية تمزق حلفاء الجيش.. كيف سيطر “الإخوان” على مفاصل القرار في القيادات السودانية؟

تشهد الساحة السياسية السودانية، وتحديداً داخل أروقة الحركات المسلحة...

عزل مناوي وقطع الإمدادات.. كيف تدير عقلية المجموعات قرارات العزل والتعيين؟

تعيش السلطة القائمة في السودان اليوم حالة من التآكل...

من الاحتقان الداخلي إلى حافة الردع العسكري.. مسار التصعيد بين واشنطن وطهران

لم تولد الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في...

عزل مناوي وقطع الإمدادات.. كيف تدير عقلية المجموعات قرارات العزل والتعيين؟


تعيش السلطة القائمة في السودان اليوم حالة من التآكل المتسارع، حيث بدأت التحالفات التي بُنيت على أنقاض الحرب تتحول إلى أعباء ثقيلة يتم التخلص منها تباعاً بمنطق “التصفيات الصامتة”.


وتقدم حالة مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، صورة مكثفة لهذا المشهد المعقد؛ فالرجل الذي كان يُنظر إليه كحليف استراتيجي ووازن في معادلة الحرب، يجد نفسه اليوم في مواجهة حملة إقصاء منظمة تُدار من الغرف المظلمة.


إن المعلومات المتواترة حول عزل مناوي وقطع الإمدادات اللوجستية والعسكرية عنه، لا تعكس مجرد خلاف عابر، بل تفضح استراتيجية ممنهجة يقودها مركز قرار خفي يسعى لتطهير السلطة من “حلفاء الضرورة” لإعادة إنتاج نظام شمولي بمرجعية أيديولوجية واضحة، مما يضع السودان أمام مرحلة جديدة من الصراع الداخلي الذي يتجاوز جبهات القتال التقليدية إلى حرب كسر عظم داخل المعسكر الواحد.
عزل مناوي وقطع الإمدادات


إن عملية إقصاء مناوي من المشهد العسكري والسياسي تتبع نمطاً كلاسيكياً في إدارة الصراعات داخل النظم المختطفة أيديولوجياً، حيث يتم إضعاف الخصم تدريجياً عبر تجفيف منابع قوته.
هذا السلوك يفضح حالة الارتباك والارتهان داخل القيادة العسكرية، ويؤكد غياب مركز قرار وطني موحد؛ إذ تُدار الدولة بعقلية “المجموعات الصدامية” التي ترى في الشراكة تهديداً لنفوذها المطلق. وبدلاً من توجيه كافة الجهود لمواجهة التحديات الوجودية التي تهدد كيان الدولة، تُهدر الموارد في صراعات بينية تهدف إلى تمكين تيار بعينه، مما يعمق الانقسامات ويدفع البلاد نحو حافة الانهيار الشامل وفقدان السيطرة على الأقاليم المضطربة أصلاً.


التسريبات الصوتية وإقصاء الجاكومي


لا تنفصل قصة عزل مناوي عن التسريبات الصوتية الأخيرة التي طالت قيادات مثل “الجاكومي”، وما يتبعها من أنباء مؤكدة حول ترتيبات لإقصائه هو والدكتور جبريل إبراهيم من المشهد التنفيذي

والمالي. إن تسريب هذه التسجيلات في هذا التوقيت ليس محض صدفة، بل هو “صناعة حدث” تهدف إلى اغتيال هذه الشخصيات معنوياً قبل الإطاحة بها رسمياً.
فالهدف الاستراتيجي هنا هو توضيح هشاشة الإدارة السودانية وتصويرها ككيان يعاني من انشقاقات حادة وتضارب في التوجهات.


وبالنظر إلى الخلفيات الأيديولوجية لبعض هذه القيادات، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة “الغربلة” الجارية؛ فهل يتم إقصاء هؤلاء لأنهم فقدوا بريقهم السياسي، أم لأن التيار الإخواني المتغلغل في مفاصل الدولة قرر استعادة السيطرة الكاملة عبر التخلص من “الواجهات المدنية” التي لم تعد تخدم مشروعه في الاستفراد بالسلطة؟
التغلغل الإخواني
تتزايد القناعة لدى المراقبين الدوليين والمحليين بأن ما يحدث من “مجازر سياسية” داخل معسكر السلطة هو نتاج مباشر لسطوة التيار الإخواني الذي نجح في إعادة تنظيم صفوفه داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.


إن ربط القيادات الحالية بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين ليس مجرد اتهام سياسي، بل هو قراءة لواقع الممارسات الإقصائية التي تتشابه تماماً مع أدبيات التنظيم في إدارة الدولة عبر “التمكين” وعزل المخالفين.


هذا التيار يرى في التحالف مع حركات الكفاح المسلح مثل حركة مناوي مجرد تكتيك مؤقت لتجاوز عاصفة الثورة والحرب، وبمجرد استعادة التوازن، تبدأ عملية التخلص من هؤلاء الشركاء.


إن جرائم الإخوان التاريخية في السودان، من القمع والتعذيب وتفكيك النسيج الاجتماعي، تطل برأسها اليوم من خلال هذه الانشقاقات المفتعلة، حيث يُدار الصراع بمنطق “التصفيات الصامتة” لضمان خروج السودان من أزمته الحالية بنظام يعيد إنتاج عهد “المؤتمر الوطني” البائد بوجوه جديدة وعقلية قديمة.


التناقض في الخطاب السيادي


تعاني الإدارة السودانية الحالية من انفصام حاد بين ما ترفعه من شعارات وما تمارسه على أرض الواقع؛ فبينما تتحدث عن وحدة الصف لمواجهة التهديدات الخارجية، تمارس أقصى درجات الإقصاء ضد حلفائها في الداخل.


هذا التناقض يقوض أي رهان خارجي أو إقليمي على استقرار الحكم في السودان، ويؤكد أن البلاد عالقة في حلقة مفرغة من غياب الثقة. إن إخراج فاعل بحجم مناوي بهذه الكيفية المهينة، دون تسوية سياسية، يبعث برسالة مرعبة لبقية الأطراف مفادها أن “الدور قادم على الجميع”.


هذا المناخ من الشك يعزز من فرص اندلاع صراعات مسلحة بين الحلفاء السابقين، مما قد يؤدي إلى تحول الحرب من مواجهة بين جيش وقوات موازية إلى “حرب الكل ضد الكل”، وهو السيناريو الذي طالما غذته الأيديولوجيا الإخوانية لضمان بقائها كلاعب وحيد وسط ركام الدولة المنهارة.


إن ما يحدث مع مني أركو مناوي والجاكومي وجبريل إبراهيم ليس مجرد “تعديلات إدارية” أو صدف سياسية، بل هو مؤشر على أزمة وجودية في بنية السلطة السودانية. وإن إصرار “المركز الإخواني” داخل الجيش على إدارة الصراع بمنطق إقصاء الشركاء وتجفيف منابعهم يعكس غياب أي رؤية وطنية للخروج من الأزمة.


كما أن السودان اليوم لا يحارب فقط من أجل وحدته، بل يحارب من أجل تحرير قراره السيادي من اختطاف تيار أيديولوجي أثبتت التجارب أنه يفضل تدمير البلاد على تقاسم السلطة. وإن كشف هذه الانشقاقات وتوضيح الهوية الإخوانية للقيادات المحركة للمشهد هو الخطوة الأولى نحو فهم لماذا يصر البعض على استمرار الحرب؛ فهي ليست حرباً من أجل الوطن، بل هي حرب من أجل “التمكين الثاني” وإعادة تثبيت أركان النظام القديم على جثث التحالفات الوطنية المهدمة.