ذات صلة

جمع

البرهان والإخوان.. شباك المصالح المعقدة وسيناريوهات الصراع على قيادة المشهد السوداني

في لحظة فارقة تختصر التحولات العميقة في الشارع السوداني،...

تونس وسلبيات الاعتماد على الغاز.. لماذا بات الانتقال الطاقي ضرورة حتمية؟

شهدت تونس خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين ضغوطاً غير...

من انقطاع الكهرباء إلى نقص الأدوية.. أزمات متشابكة تضغط على تونس

تستمر الأزمات المركبة في إلقاء ظلالها الثقيلة على المشهد...

انفجارات خطوط الغاز وهجوم مصياف.. شبح الفوضى يعود إلى المشهد السوري

شهدت المحافظات السورية خلال الأيام والأسابيع الماضية موجة متصاعدة...

اختبار السيادة والدولة.. العراق في مواجهة نفوذ السلاح وتحديات الشراكة الدولية

يقف العراق اليوم عند مفصل تاريخي ودقيق في مسار بناء دولته الحديثة، حيث تتشابك التحديات الداخلية المعقدة المتمثلة في نفوذ السلاح المنفلت وهيكلة الفصائل المسلحة، مع التزامات بغداد الدولية وضبط علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

إن التحولات الأخيرة الشاملة تتجاوز المظاهر السطحية لتفتح ملفًا شائكًا وعميقًا يتعلق بالهوية السياسية للعراق ومستقبله: هل تنجح بغداد في تحويل مفهوم “السيادة” من شعارات شعبوية وتصرفات انفعالية تدوس الأعلام وتستعرض القوة، إلى سلطة قانونية مؤسسية قادرة على حصر السلاح بيد الدولة وإعادة صياغة الشراكة الأمنية والدفاعية مع المجتمع الدولي دون الوقوع في شباك المحاور الإقليمية؟

أزمة العلم الأمريكي: حادثة عابرة أم اختبار حقيقي لفرض هيبة الدولة؟

لم تكن حادثة “دهس” العلم الأمريكي خلال فعاليات “يوم السيادة” مجرد سلوك فردي أو لقطة انفعالية عابرة في استعراض جماهيري، بل شكلت اختبارًا مباشرًا وصريحًا لمدى قدرة السلطة التنفيذية العراقية على ضبط الإيقاع الداخلي والسيطرة على الرسائل السياسية الصادرة من أراضيها.

فلم تحتج الحكومة العراقية إلى وقت طويل للانتقال من موقف الإدانة الصريحة للتجاوز على العلم والرموز الدبلوماسية، إلى فتح تحقيق عاجل وأمر القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، بتشكيل لجنة تحقيقية حاسمة أفضت سريعًا إلى إعلان القبض على المتورطين.

هذا التحرك الحكومي السريع يحمل في طياته دلالات عميقة تتجاوز الواقعة الأمنية نفسها، لتؤكد أن الدولة هي صاحبة القرار النهائي والأخير في رسم السياسة الخارجية والمدير الوحيد لملف الأمن القومي، معتبرة احترام البعثات الدبلوماسية التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا لا يقبل المساومة.

وعلى الجانب الآخر، أظهرت الحادثة حجم الحساسية في واشنطن والترقب الأمريكي لكيفية إدارة بغداد لملف الفصائل المسلحة. فقد جاء أبرز رد أمريكي موثق عبر النائب الجمهوري في مجلس النواب جو ويلسون، الذي انتقد عبر منصة “إكس” ظهور عناصر من الحشد الشعبي وهم يدوسون العلم الأمريكي، مربطًا المشهد بالإشادة بالنظام الإيراني ومستغلًا الحادثة للتأكيد على منطق أن العراق يقع تحت النفوذ الكامل لطهران، وداعيًا إلى العمل على ما أسماه “تحرير العراق”.

هذا الاستغلال السياسي السريع أثبت للقيادة العراقية، أن السلوكيات غير المنضبطة تمنح خصوم العراق في الخارج مادة دسمة ومجانية للتشكيك في استقلالية قرارها السيادي ومحاولات تقويض جهودها لبناء شراكات دولية متزنة.

السيادة القانونية والمحاسبة: رسائل بغداد للداخل والخارج

وتؤكد القراءات السياسية الواردة من أروقة وزارة الخارجية العراقية، أن الموقف الصارم الصادر من رئيس الوزراء علي الزيدي بالتحقيق والمحاسبة يمثل موقفًا وطنيًا شجاعًا ومبدئيًا، وليس كما يحاول البعض تصويره كأنه مجاملة سياسية لواشنطن أو اعتذار عن المفهوم الوطني للسيادة.

إن مفهوم السيادة الحقيقي لا يقاس إطلاقًا بعدد الأعلام التي تداس في الشوارع أو بحجم الاستعراضات العسكرية التي تجري خارج الأطر الرسمية، بل يقاس بمدى امتلاك مؤسسات الدولة للشجاعة الكافية للمحاسبة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء. تسعى بغداد للرد بوضوح على الفئات التي تحاول تقديم العراق للعالم بوصفه دولة فوضى تتحرك فيها البنادق والميليشيات بمعزل عن التوجيهات السياسية للقيادة الرسمية.

وتتكامل هذه الخطوات الأمنية مع تحركات اقتصادية ومصرفية جادة تقودها الحكومة العراقية لإعادة تأهيل القطاع المالي والمصرفي والعودة بقوة إلى قنوات المراسلة المالية الخارجية، مع التأكيد على تأمين شحنات الدولار وفتح أبواب الاستثمار الأجنبي وتجاوز عقبات القيود الدولية.

إن القيادة العراقية تسعى من خلال هذه البراغماتية العملية إلى سحب البساط من تحت يد الأطراف الخارجية والداخلية التي تراهن على إبقاء العراق في حالة من العزلة والاضطراب الداخلي الداعم لنفوذ الميليشيات والسلاح غير المنضبط.

معضلة “قانون الحشد”: بين اختبار الهيكلة وحصر السلاح بيد الدولة

تعتبر أزمة الميليشيات والفصائل المسلحة واحدة من أعقد الملفات الأجندة العراقية الحالية، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات تنظيم “قانون الحشد الشعبي” وفرض آليات حقيقية لدمجه وهيكلته ضمن المنظومة العسكرية الرسمية.

وتشير الوقائع والتطورات إلى أن بغداد تفاوض الميليشيات والفصائل المسلحة بجدية عالية لتسليم السلاح الثقيل والمتوسط للجهات الحكومية المختصة، بالتوازي مع التطلع للوصول إلى “شراكة دفاعية” جديدة ومتطورة مع واشنطن تعتمد على التدريب والتسليح والتعاون الاستخباري وتحديث القدرات العسكرية.

هذا المسار المزدوج يكشف عن رغبة جادة في الانتقال النهائي من عقلية “المقاومة والأجنحة المسلحة” إلى عقلية “الدولة والسيادة الوطنية”.

وفي هذا السياق، تشير الرؤى التحليلية لأستاذ العلوم السياسية الدكتور علاء مصطفى وغيره من الخبراء، إلى أن رئيس الوزراء نجح في كسب مهلة زمنية وموافقة أمريكية حتى شهر يونيو المقبل لمعالجة ملف السلاح والفصائل بطرق سياسية وهيكلية حكيمة.

وقد تجسد هذا النجاح السياسي في التوصل إلى اتفاقات مكتوبة مع فصائل رئيسية كانت ترفض سابقًا فكرة تسليم السلاح أو خضوع سلاحها للهيكلة.

ويمثل الفصل بين خروج القوات العسكرية للتحالف الدولي وبين ديمومة العلاقات الاستراتيجية والسياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية ركيزة أساسية في العقيدة السياسية الجديدة للحكومة العراقية.

كما أن هذا المسار يضع حدًا للارتهانات الإقليمية؛ فالسيادة الوطنية تنفي التبعية لواشنطن بقدر ما ترفض الخضوع الكامل لطهران أو الاندماج في أي محاور إقليمية متصارعة.

إن النقطة المفصلية التي يطرحها المشهد السياسي العراقي اليوم تتلخص في الإجابة عن سؤال سيادي متجدد: من يعبر عن الإرادة العراقية الصريحة، هل هي الدولة ومؤسساتها الدستورية المنتخبة، أم الجماعات والفصائل المتواجدة داخل جسد الدولة؟ إن تجنيب العراق تكرار مثل هذه الممارسات السلبية هو السبيل الوحيد لمنع الانطباع الخارجي القائل بأن الحكومة لا تسيطر سيطرة كاملة على القرار الأمني داخل حدودها.

مرحلة ما بعد 30 سبتمبر: التحول التاريخي من “اللادولة” إلى “الدولة والقانون”

يشكل تاريخ 30 سبتمبر 2026 الحد الفاصل في خطة إعادة تنظيم العلاقات العراقية-الخارجية، حيث يعتبر المحلل السياسي سمير عبيد أن الحكومة العراقية أوضحت بكلمات قاطعة أن البلاد غادرت نهائيًا مرحلة “اللادولة” والانفلات، ودخلت بشكل رسمي وعملي مرحلة “الدولة والقانون”.

إن مرحلة ما بعد هذا التاريخ تستوجب التوقف التام عن الممارسات التي كانت سائدة في العقود السابقة، مثل رسم الأعلام والدوس عليها في الشوارع، أو استعراض القوة العسكرية الشارعية التي تعطي انطباعًا زائفًا بوجود تمرد داخلي وعدم احترام للهرمية القيادية للدولة.

إن استقرار العلاقة العراقية-الأمريكية وتحويلها إلى شراكة أمنية وسياسية متكافئة يعتبر حجر الزاوية في الامتحان السياسي والحكومي الراهن.

وتدرك الإدارة الحكومية في بغداد أن حماية الرموز الدولية والبعثات الدبلوماسية المعتمدة ليست مجرد مجاملة سياسية عابرة، بل هي واجب سيادي وقانوني يعزز موقع العراق كدولة محورية ومستقرة في الشرق الأوسط.