ذات صلة

جمع

سر النجاح والهشاشة.. طريقة عمل كيك البرتقال الهش في الخلاط بخطوات بسيطة

تظل كيكة البرتقال من الحلويات المنزلية التي ترتبط بذكريات...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري اليوم الخميس 8 أكتوبر 2026

سجلت أسعار عدد من العملات الأجنبية والعربية مقابل الجنيه...

معادلة الانقسام.. كيف تعوق فوضى الميليشيات والانقسام السياسي حسم المسار الانتخابي في ليبيا؟

تتجه أنظار الشارع الليبي والمجتمع الدولي مجددًا صوب العاصمة التونسية حيث تعود لجنة الحوار المصغرة «4+4» للالتئام تحت مظلة البعثة الأممية للدعم في ليبيا، في لحظة فارقة تعيد فتح أعمق جراح المشهد السياسي والأمني المأزق الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.

ولا تكمن العقدة اليوم مجرد التوافق على صياغة بنود أو توقيع مسودات جديدة بين الفرقاء السياسيين, بل تتجسد في الإجابة عن السؤال الصعب الذي يهرب منه الجميع: كيف يمكن تحويل التفاهمات الورقية إلى واقع ملموس على الأرض في ظل انتشار سلاح الميليشيات وسطوة الفصائل المسلحة التي باتت تتحكم بمفاصل القرار وتفرض منطق القوة على المؤسسات الرسمية.

إن عودة الاجتماعات عقب انقضاء المهل المحددة تفتح ملفًا شائكًا ومصيريًا يتجاوز حدود الحوارات الدبلوماسية إلى مواجهة مباشرة مع فوضى السلاح وتفكك الدولة.

انتهاء مهلة سبتمبر الأممية: تعثر مؤسسي جديد يُعيد سيناريوهات الجمود

عادت لجنة الحوار المصغرة «4+4» للاجتماع في مقر بعثة الأمم المتحدة في تونس لمتابعة تنفيذ مخرجات اتفاقها السياسي، وتحديدًا بعد انقضاء المهلة الرسمية التي منحتها البعثة لمجلسي النواب والمجلس الأعلى للدولة للمصادقة على الاتفاق الذي أُحيل إليهما في الثالث من سبتمبر الماضي.

ومع انتهاء المهلة المحددة بشهر كامل في الثلاثين من سبتمبر دون الوصول إلى موقف مؤسسي موحد، اتضح حجم التباين في التعاطي مع الحلول؛ إذ أصدر مجلس النواب تصويتًا بالإجماع يقضي باعتماد الاتفاق، في حين وقف المجلس الأعلى للدولة عاجزًا عن اتخاذ موقف موحد نتيجة الاعتراضات والانقسامات الداخلية بشأن آليات التعامل مع الإجراءات الانتخابية والترتيبات المرتبطة بها، مما أدخل البلاد مجددًا في حالة من المماطلة وتأجيل حسم القرارات المصيرية.

ويأتي هذا الاجتماع الجديد المقرر في الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول ضمن سلسلة من اللقاءات المكثفة التي استضافتها تونس بهدف الحفاظ على القنوات الدبلوماسية مفتوحة ومنع انهيار المسار السياسي بالكامل.

وتسعى البعثة الأممية من خلال الإصرار على استمرار هذا الحوار إلى البناء على الإطار المبرم في الثلاثين من أغسطس الماضي، وتجنب الارتداد نحو المربع الأول أو العودة إلى حالة الجمود التام التي نسفت الاستحقاق الانتخابي في ديسمبر 2021.

غير أن الواقع يثبت أن المشكلة لا تكمن في قلة الاجتماعات أو غياب النصوص الاتفاقية، بل في العجز الداخلي عن تحويل المخرجات السياسية إلى خطوات عملية ملزمة لجميع القوى النافذة على الأرض.

توحيد القضاء والمناصب السيادية: صراع السيطرة على مفاصل الدولة

ويمتد جدول أعمال لجنة «4+4» إلى ملفات معقدة تتصل بصلب هيكل الدولة الليبية, وفي مقدمتها ملف المناصب السيادية وتوحيد السلطة القضائية إلى جانب إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وتكشف هذه الملفات عن حجم التنافس المحموم بين مراكز القوى المتصارعة في الشرق والغرب للهيمنة على المؤسسات السيادية والمالية، إذ يمثل حسم اختيار رئيس جديد للمفوضية حجر الزاوية لإجراء أي عملية اقتراع نزيهة وشاملة.

وكان الخيار المعتمد يتضمن توصية بتكليف النائب العام المستشار الصديق الصور بترشيح رئيس للمفوضية من بين القضاة المشهود لهم بالكفاءة والحياد، إلا أن التفاصيل الإجرائية والتعقيدات الميدانية واصلت عرقلة التطبيق الفعلي لهذا التوافق.

إن التشظي المؤسسي الحاصل بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي، يخلق واقعًا مزدوجًا يعطل تقديم أي خدمات موحدة للمواطنين أو إدارة الموارد الوطنية بشفافية.

وفي ظل هذا الانقسام السياسي الحاد, تتزايد هيمنة الميليشيات المسلحة في المنطقة الغربية، والتي تحولت من قوى أمنية مفترضة إلى كروت ضغط سياسي واقتصادي تمتلك قدرة التعطيل والسيطرة على مقرات الوزارات والمؤسسات السيادية في العاصمة طرابلس، مما يجعل أي اتفاق لتوحيد المؤسسات القضاة أو المال مرهونًا بمدى رضا قادة هذه الميليشيات وجاهزيتهم للتخلي عن نفوذهم المالي والأمني لصالح دولة القانون.

فوضى الميليشيات والسلاح المنفلت: العقبة الحقيقية أمام المسار الانتخابي

ويُجمع الخبراء والمحللون السياسيون على أن العقبة الكبرى التي تقف حائلًا دون إجراء أي انتخابات رئاسية أو برلمانية في ليبيا لا تتلخص فقط في صياغة القوانين أو النوايا السياسية، بل تتمثل في فوضى السلاح وانتشار الجماعات المسلحة خارج سيطرة المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية.

إن تجربة تعثر انتخابات ديسمبر 2021 ما تزال شاخصة في الأذهان كدليل دامغ على أن إجراء الاقتراع في ظل وجود ميليشيات تمتلك السلاح الثقيل والمتوسط وتسيطر على المربع الميداني والدوائر الانتخابية هو أمر محفوف بالمخاطر القاتلة، حيث تستطيع هذه القوى الميدانية إغلاق مراكز الاقتراع بالقوة المسلحة أو منع المرشحين من ممارسة حقهم السياسي إذا تعارضت النتائج مع مصالحها ونفوذها الداخلي.

الرؤية الدولية والموقف الأمريكي: بين تقاسم السلطة وتحريك الاقتصاد

وأمام هذا الانسداد المتكرر، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة الدفع نحو تسوية سياسية عملية قائمة على البراغماتية وتقاسم السلطة بين القوى الرئيسية في الشرق والغرب.

وقد حظي التقدم السياسي الأخير بتأكيد أمريكي عبر تصريحات كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الذي أشاد بالتوافقات المحرزة في تونس بشأن القوانين الانتخابية والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مؤكدًا دعم واشنطن لاستمرار الحوار للوصول إلى حكومة موحدة وحل سياسي شامل ودائم.

وترتكز الاستراتيجية الدولية الحالية على ضرورة تأمين التهدئة الميدانية وفتح آفاق الاستثمار الأجنبي وتسهيل تدفق الإنتاج والتصدير في قطاع النفط الذي يمثل شريان الحياة الوحيد للاقتصاد الليبي، والذي يتأثر باستمرار بالإغلاقات التعسفية والصراعات المالية بين الفرقاء.

وتتضاعف الضغوط الدولية على جميع الأطراف مع قرب انتهاء الولاية الرسمية لبعثة الأمم المتحدة في الحادي والثلاثين من أكتوبر الحالي؛ مما يضع القادة السياسيين والعسكريين في ليبيا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الذهاب نحو سلطة موحدة حقيقية تخضع السلاح للشرعية الرسمية، أو البقاء في دائرة الفوضى والانقسام وتغول الميليشيات الذي يهدد بما تبقى من كيان الدولة الوطنية.

إن العودة المتكررة لطاولات الحوار تحت المظلة الدولية في تونس تثبت أن الحل السياسي لن يرى النور إلا عندما يمتلك الفاعلون في ليبيا الجرأة السياسية والقدرة الأمنية على بناء سلطة تنفيذية موحدة تأخذ على عاتقها إنهاء المظاهر المسلحة غير القانونية وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية للدولة.

وبدون تفكيك منظومة السلاح المنفلت ومحاسبة قادة الميليشيات التي تعطل مسار العدالة والاستقرار، ستظل كل الاتفاقات السياسية مجرد جولات استنزاف للوقت تدفع ليبيا وشعبها ثمنها من أمنهم واستقرارهم ومستقبل أجيالهم القادمة.