ذات صلة

جمع

البرهان والإخوان.. شباك المصالح المعقدة وسيناريوهات الصراع على قيادة المشهد السوداني

في لحظة فارقة تختصر التحولات العميقة في الشارع السوداني،...

تونس وسلبيات الاعتماد على الغاز.. لماذا بات الانتقال الطاقي ضرورة حتمية؟

شهدت تونس خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين ضغوطاً غير...

من انقطاع الكهرباء إلى نقص الأدوية.. أزمات متشابكة تضغط على تونس

تستمر الأزمات المركبة في إلقاء ظلالها الثقيلة على المشهد...

انفجارات خطوط الغاز وهجوم مصياف.. شبح الفوضى يعود إلى المشهد السوري

شهدت المحافظات السورية خلال الأيام والأسابيع الماضية موجة متصاعدة...

البرهان والإخوان.. شباك المصالح المعقدة وسيناريوهات الصراع على قيادة المشهد السوداني

في لحظة فارقة تختصر التحولات العميقة في الشارع السوداني، تحولت فعالية مخصصة لدعم القطاع الصحي في استاد الخرطوم من مناسبة مدنية إلى مشهد احتجاجي عارم وضعت قائد الجيش عبدالفتاح البرهان في مواجهة مباشرة مع الغضب الشعبي المتصاعد.

فبعد دخوله المفاجئ إلى الملعب دون إعلان مسبق في محاولة لاقتناص مكسب سياسي وتسويق الخطاب الرسمي حول منع مشاركته في اجتماعات الأمم المتحدة، تفاجأ البرهان برفض جماهيري حاشد، إذ انقلبت كلمته أمام آلاف الشباب إلى صرخات مدوية تطالب برحيله وتستنكر استمرار الحرب، مما أجبر حراسته الخاصة على التدخل العاجل لإجلائه وسط معلومات عن إطلاق الشرطة أعيرة نارية لتفريق الحشود المكتظة.

هذا المشهد الدراماتيكي لم يكن مجرد حادث عابر، بل جاء ليعكس انكسارًا كبيرًا في قدرة سلطة الأمر الواقع على تسويق روايتها الحربية، وليؤكد أن الرهان على سحق الصوت المدني لم يزد الشارع إلا إصرارًا على تمسكه بمشروع السلام والمستقبل في مواجهة خيارات الدمار والاستنزاف.

تفكيك المشهد: بين رغبة الشارع في الحياة وحسابات الإخوان المعقدة

ويقرأ الفاعلون السياسيون حادثة استاد الخرطوم باعتبارها المؤشر الأوضح على انهيار الحاضنة الجماهيرية للبرهان وفشل محاولاته المتكررة لابتزاز الوعي الجمعي، حيث أكد الباحثون، أن الحاضرين في الاستاد لم يكونوا أتباعًا لأحد ولا بوقًا إعلاميًا للإخوان المسلمين، بل مثلوا قطاعًا واسعًا من السودانيين المتمسكين بالحياة والمطالبين بإيقاف ناعورة الحرب.

وأوضحوا أن البرهان يواجه عزلة سياسية غير مسبوقة ترافقت مع فشل ذريع في حشد أي مسيرات مؤيدة له من المساجد قبل الحفل بيوم واحد، مشيرين إلى أن جماعة الإخوان المسلمين نفسها باتت تتنصل من حليفك العسكري؛ حيث عمدت إلى كبح الخروج الشعبي ونشر تقارير تسلط الضوء على الأزمة الاقتصادية الخانقة، في خطوة لتضييق الخناق عليه وتهيئة الملعب لمرحلة قادمة قد تتخلى فيها الجماعة عن البرهان إذا ما اتجه نحو أية تسوية سياسية لا تضمن عودتها المباشرة إلى دكة الحكم.

شرعية البندقية ومأزق التمسك بالسلطة على حساب دماء السودانيين

وتكشف القراءة العميقة لسلوك القيادة العسكرية الحالية أن التمسك بخيار القتال لم يعد مجرد عقيدة عسكرية، بل تحول إلى أداة بقاء شخصية للبرهان في سدة الحكم؛ إذ تجردت سلطته من أي شرعية دستورية أو شعبية ولم تتعدَ حدود “شرعية البندقية”.

وتؤكد القوى المدنية أن الإخوان المسلمين، الذين أشعلوا فتيل هذه الحرب لإعادة إنتاج نظامهم السابق، يسعون لإبقاء البرهان رهينًا لمسار القتال حتى النهاية من خلال الاحتفاظ بأوراق ضغط اقتصادية وسياسية متعددة.

وفي مقابل ذلك، أصبحت الحرب بالنسبة للبرهان مسألة حياة أو موت، يخوضها لإطالة أمد سيطرته على مقدرات البلاد ومواردها الاقتصادية، غير أبهٍ بالهوة السحيقة التي باتت تفصله عن تطلعات الشعب.

هذا الشلل الخدمي والانهيار المعيشي الممنهج ترافق مع تصعيد قمعي خطير، حيث تحول شعار “لا صوت يعلو فوق صوت البندقية” إلى ذريعة لتجييش الشباب وزجر كل صوت ينادي بالسلام، واقتياد المناهضين للحرب إلى السجون بتهم جاهزة، ليظل الرهان الحقيقي معقودًا على صمود الإرادة الشعبية التي أثبتت في استاد الخرطوم أن صوت الحرية والسلام أعلى من كل الرصاص.

وتأتي حادثة استاد الخرطوم امتدادًا لسياق سياسي وأمني شديد التعقيد يعيشه السودان منذ اندلاع حرب أبريل 2023؛ حيث تصاعدت حدة الأزمة بين القوى المدنية الداعية لإيقاف الحرب وسلطة الأمر الواقع بقيادة عبدالفتاح البرهان.

ومنذ الإطاحة بالشراكة الانتقالية، اعتمد النظام العسكري على شرعية الأمر الواقع ومساندة الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين) لاستدامة الخيار العسكري وتجييش الشارع، في ظل تدهور اقتصادي مريع وانقسام سياسي حاد.

ومع طول أمد الصراع وفشل المحاولات العسكرية في تحقيق حسم ميداني سريع، باتت مظاهر السخط الشعبي تتسع في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، مخترقة حالة التضييق الأمني والملاحقات القضائية للأنشطة المناهضة للحرب.

وتتزامن هذه التطورات مع تعثر المساعي الدولية والإقليمية لإعادة طرفي النزاع إلى طاولة التفاوض، وإغلاق منافذ المشاركة السياسية الشاملة، وتشير القراءة التحليلية للمشهد الميداني إلى أن حادثة الاستاد لم تكن مجرد رد فعل عاطفي مفاجئ، بل هي انعكاس تحليلي لعمق الفجوة الجماهيرية وتآكل التحالفات الضمنية التي بنيت عليها سلطة الحرب، مما يعيد تسليط الضوء على خطورة الارتهان للخيار العسكري وتأثيره المباشر على المستقبل السياسي والأمني في البلاد.