تخوض مدينة بنغازي وباقي المدن الليبية مسارًا تاريخيًا غير مسبوق للنهوض بالبنية التحتية وتحقيق التنمية المستدامة، متجاوزة عقودًا من التهميش والأزمات وهيمنة التشكيلات المسلحة.
واحتضنت مدينة بنغازي، شرقي ليبيا، أعمال النسخة الثانية من «منتدى التنمية وإعادة الإعمار الليبي – الأميركي»، بحضور واسع لممثلي كبرى الشركات الأميركية ورئيس وأعضاء مجلس الأعمال المشترك.
وشهد المنتدى، الذي ترعاه مؤسسات التنمية الوطنية، خطوات عملية متسارعة تهدف إلى نقل الخبرات التكنولوجية والهندسية المتقدمة وتوطينها في القطاعات الخدمية والتنموية الليبية، في وقت تواصل فيه الدولة جهودها الحثيثة لترسيخ الاستقرار وبناء مؤسسات حديثة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المعقدة التي تشهدها البلاد.
وتؤكد المعطيات الرسمية الصادرة عن صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي أن النسخة الثانية من المنتدى مثلت نقلة نوعية، تهدف إلى الانتقال الجذري من مرحلة طرح الفرص والنقاشات النظرية إلى التنفيذ الميداني الفعلي للبرامج والمشروعات التنموية.
وفي كلمته الافتتاحية، شدد بالقاسم حفتر، مدير عام صندوق التنمية وإعادة الإعمار، على أهمية تحويل مجالات التعاون المشترك مع المؤسسات والكوادر الأميركية إلى شراكات ملموسة تسهم بصورة مباشرة في تطوير الخدمات الأساسية وبناء القدرات الوطنية المتخصصة.
ويأتي هذا التوجه استكمالًا للنجاحات التي حققتها النسخة الأولى من المنتدى، والتي أُقيمت في العاصمة الأميركية واشنطن في أبريل 2025، بحضور أكثر من 90 شركة ومؤسسة أميركية كبرى، تلتها لقاءات رفيعة المستوى عقدها الوفد الليبي في مقر وزارة الخارجية الأميركية مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، لتعزيز أطر التعاون الاستراتيجي ودعم استقرار الدولة الليبية.
مبادرة «بنغازي الكبرى 2050».. رؤية عالمية تنافسية للتخطيط الحضري وتطوير المدن الذكية
في خطوة هندسية واستراتيجية بالغة الأهمية، أطلق صندوق التنمية وإعادة الإعمار مبادرة عالمية تنافسية للتخطيط الحضري تحت اسم «بنغازي الكبرى»، وذلك ضمن مسار إعداد المخطط الشامل للمدينة ورؤيتها المستقبلية الممتدة حتى عام 2050.
وقد انطلقت أعمال المبادرة بحضور مكثف لممثلي الشركات والمؤسسات والمكاتب الاستشارية الوطنية والدولية، إلى جانب نخبة من المهندسين والخبراء والاختصاصيين، ومشاركة متميزة للملحق التجاري بالسفارة الإيطالية لدى ليبيا.
وتهدف المبادرة إلى صياغة رؤية متكاملة للتوسع العمراني وتحديث البنية التحتية، بالاستفادة القصوى من أحدث المعايير والممارسات العالمية في مجالات تخطيط المدن الذكية، والاستدامة البيئية، وإدارة الموارد العمرانية، بما يضع أسسًا علمية ومدروسة لمواكبة النمو السكاني والاقتصادي الهائل الذي تشهده بنغازي.
تحديات الأمن والاستقرار في مواجهة نشاط الميليشيات المسلحة
على الصعيد الحقوقي والأمني، توثق التقارير الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لعامي 2025 و2026 التحديات الجسيمة التي تواجه مسار استعادة الدولة، وعلى رأسها التهديدات المستمرة الناجمة عن انتشار الجماعات المسلحة والميليشيات الخارجة عن القانون في بعض المناطق الغربية والجنوبية.
وتشير البيانات الإحصائية إلى أن مظاهر الانفلات الأمني والجرائم المنظمة والاضطرابات السياسية ما زالت تشكل عائقًا أمام استكمال توحيد مؤسسات الدولة، وهو ما عكسته التحذيرات الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، التي صنفت ليبيا ضمن المستوى الرابع والأعلى خطورة فيما يتعلق بسفر رعاياها، بسبب تهديدات الإرهاب والجريمة.
وتؤكد الدوائر السياسية أن إصرار صندوق الإعمار والمؤسسات الوطنية على المضي قدمًا في إنجاز المشروعات الكبرى يعكس رغبة شعبية عارمة في كسر طوق الفوضى وبناء مستقبل مزدهر يقوم على سيادة القانون وتوفير مقومات العيش الكريم للمواطنين.
وتشهد ليبيا تحديات أمنية وإنسانية جسيمة جراء السيطرة الميدانية للتشكيلات المسلحة والميليشيات الخارجة عن القانون، والتي تُحمّلها التقارير الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لعامي 2025 و2026 المسؤولية الكاملة عن تقويض استقرار الدولة وعرقلة جهود فرض سيادة القانون.
وتشير البيانات الحقوقية الموثقة إلى تورط هذه الجماعات في ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق، تشمل عمليات الإخفاء القسري، والاعتقالات التعسفية خارج إطار القضاء، وتعذيب المعتقلين في سجون سرية لا تخضع لأي رقابة حكومية، فضلًا عن الاشتباكات المسلحة المتكررة داخل المناطق السكنية المكتظة بالمدنيين، والتي أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات وتدمير الممتلكات العامة والخاصة.
كما ترصد التقارير الدولية ضلوع تلك الميليشيات في شبكات الجريمة المنظمة، وتهريب البشر، والاتجار بالمهاجرين غير النظاميين، واستغلال مقدرات الدولة لخدمة مصالح قياداتها العسكرية على حساب أمن المواطنين.
وتؤكد الدوائر القانونية أن استمرار هذه الانتهاكات والإفلات المستمر من العقاب يمثلان التهديد الأكبر أمام مساعي المصالحة الوطنية وإعادة الإعمار، مما يحتم على المجتمع الدولي فرض عقوبات رادعة ومساندة المؤسسات الأمنية الشرعية لبسط سلطة الدولة وحماية المدنيين.

