ذات صلة

جمع

حزب الله وفلول الأسد.. خيوط شبكة مسلحة تمتد من لبنان إلى سوريا

تتواصل الفصول الدموية والجرائم العابرة للحدود التي ترتكبها الميليشيات...

النمو لا يكفي.. لماذا عجز الاقتصاد التونسي عن تحويل التعافي إلى وظائف وتحسن معيشي؟

تعيش الجمهورية التونسية مرحلة دقيقة ومفصلية تتقاطع فيها مؤشرات...

البرهان والحرب المفتوحة في السودان.. كيف يدفع المدنيون ثمن استهداف شريان الإغاثة؟

تتفاقم الكارثة الإنسانية الأسوأ في تاريخ العصر الحديث على...

اليمن في قلب معادلة أمن البحر الأحمر.. ما السيناريوهات المقبلة؟

لم تعد التطورات العسكرية في اليمن شأنًا داخليًا منفصلًا...

النمو لا يكفي.. لماذا عجز الاقتصاد التونسي عن تحويل التعافي إلى وظائف وتحسن معيشي؟

تعيش الجمهورية التونسية مرحلة دقيقة ومفصلية تتقاطع فيها مؤشرات التعافي المحدود مع تركة ثقيلة من الأزمات الهيكلية والاقتصادية المعقدة، حيث كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والتقارير الصادرة عن البنك الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة لعامي 2025 و2026، المعطيات الحديثة عن تراجع طفيف في نسبة البطالة لتصل إلى 14.9 بالمئة خلال الربع الثاني من عام 2026 مقارنة بنحو 15 بالمئة في الربع الأول، ليصل عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 622.4 ألف شخص.

وفي المقابل، سجّل الاقتصاد التونسي نموًا إيجابيًا بنسبة 2.3 بالمئة خلال الربع الثاني مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، ليبلغ معدل النمو الإجمالي خلال النصف الأول من العام نحو 2.4 بالمئة.

غير أن هذه الأرقام الوردية تخفي خلفها واقعًا معيشيًا ضاغطًا وتحديات مالية غير مسبوقة تتمثل في اتساع رقعة عجز الميزان التجاري وتباطؤ القطاعات الإنتاجية الحيوية.

كواليس مؤشرات التشغيل وأزمة البطالة.. 622 ألف عاطل والاقتصاد عاجز عن خلق الوظائف الحقيقية

تُظهر البيانات الفصلية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في تونس أن عدد العاطلين عن العمل بلغ خلال الربع الثاني من عام 2026 نحو 622.4 ألف شخص، مقابل 641.7 ألف شخص خلال الربع الأول، مسجلاً انخفاضاً طفيفاً بنحو 19.3 ألف عاطل.

وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد، كشفت مصادر أن الاقتصاد التونسي سجل صمودًا بنسبة نمو بلغت 2.4 بالمئة بفضل إيرادات القطاع الفلاحي والخدمات، مؤكدًا أن هذه النسبة تبقى أقل بكثير من الهدف المرسوم في ميزانية الدولة لعام 2026 والمحدد بنحو 3.2 بالمئة.

وأضافت المصادر، أن معدلات النمو الحالية، على الرغم من تعكسها لحالة الصمود، إلا أنها تظل عاجزة تمامًا عن خلق وظائف حقيقية قادرة على تفكيك أزمة بطالة الـ14.9 بالمئة واستيعاب طالبي الشغل لأول مرة، مشيرًا إلى وجود انسداد هيكلي في قنوات التوظيف بالقطاع العام نتيجة ضغوط الميزانية والإصلاحات المالية المتتابعة بالتوازي مع بطء نمو الشركات الناشئة ومؤسسات التكنولوجيا الحديثة.

نزيف العجز التجاري وواردات الطاقة.. تقارير أممية وحقوقية توثق المخاطر الهيكلية للاقتصاد

وعلى الصعيد المالي والنقدي، كشفت الأرقام الرسمية عن تفاقم خطير في عجز الميزان التجاري التونسي الذي بلغ نحو 5 مليارات دولار (ما يعادل 14.9 مليار دينار تونسي) حتى شهر يوليو الماضي، مسجلاً زيادة مقلقة تقدر بأكثر من 25 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

وأرجع المعهد الوطني للإحصاء هذا التراجع إلى قفزة نوعية في الواردات بنسبة 13.7 بالمئة، مقابل نمو متواضع للصادرات لم يتجاوز 9.9 بالمئة.

وفي السياق ذاته، توثق التقارير الصادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة واللجان الاقتصادية الدولية لعامي 2025 و2026 أن واردات الطاقة شهدت حصارًا صارخًا بنسبة 35.7 بالمئة، بينما ارتفعت واردات المواد الغذائية بنسبة 23.6 بالمئة، لتهبط نسبة تغطية الواردات بالصادرات إلى 73.1 بالمئة حتى نهاية يوليو 2026 مقابل 75.6 بالمئة في العام السابق.

آفاق مخطط التنمية 2030.. رهان الحكومات على الاستثمار الخاص وسط تحديات الديون والتضخم

في محاولة لمحاصرة هذه الأزمات المتشابكة، أعلنت الحكومة التونسية عبر وزير الاقتصاد سمير عبد الحفيظ عن وضع مخطط تنموي طموح يستهدف تحقيق نسبة نمو تبلغ 4.2 بالمئة بحلول عام 2030، مع النزول بمعدل البطالة إلى ما دون 15 بالمئة بشكل مستدام وكبح التضخم عند حدود 4.8 بالمئة.

وتراهن الدولة على دفع مشاريع المبادرة الخاصة والتمويل الذاتي للشباب لحل أزمة البطالة، مع ربط ذلك بتحسن الحصيلة الضريبية ونمو الناتج المحلي الإجمالي وخفض عجز الميزانية إلى 3 بالمئة والمديونية العامة إلى 80 بالمئة من الناتج المحلي بحلول نهاية العقد.

ومع ذلك، تشير تقارير المنظمات الحقوقية والدولية إلى أن نجاح هذه الخطط يبقى رهنًا بقدرة الدولة على تفكيك البيروقراطية المقيدة للاستثمار، وإصلاح المؤسسات العمومية المتعثرة، وتوفير بيئة تشريعية جاذبة لرؤوس الأموال، لضمان تحويل المؤشرات الرقمية البحتة إلى واقع تنموي ينعكس إيجابًا على القدرة الشرائية للمواطن ويضع حادًا لنزيف الهجرة غير النظامية.

يشهد الاقتصاد التونسي مرحلة بالغة الدقة تتنازعها مؤشرات التعافي الحذر وأعباء الأزمات الهيكلية المتراكمة.

ووفقًا للتقارير الصادرة عن البنك الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة لعامي 2025 و2026، يواجه مسار النمو التونسي تحديات كبرى تتمثل في اتساع رقعة العجز التجاري، وارتفاع واردات الطاقة والغذاء، واستمرار تباطؤ القطاعات الإنتاجية الحيوية مثل الصناعات المعملية والمناجم.

ومع تسجيل نسبة بطالة تلامس حاجز 14.9 بالمئة وتخلف معدلات النمو الحالية عن خلق فرص العمل الكافية لمئات الآلاف من الشباب الخريجين، تتزايد الضغوط المعيشية والاجتماعية على المواطنين.

وفي المقابل، تسعى الحكومة عبر مخططاتها التنموية بعيدة المدى إلى دفع عجلة الاستثمار الخاص، وإصلاح المنظومة الاقتصادية، وكبح التضخم، وخفض نسب المديونية العامة. غير أن نجاح هذه السياسات يظل رهنًا بقدرة الدولة على إحداث اختراق حقيقي في بيئة الأعمال وتفكيك العراقيل البيروقراطية لضمان استقرار مالي واجتماعي مستدام.