ذات صلة

جمع

تصدع داخل الميليشيات الحوثية.. لماذا تتزايد الانتقادات من قياداتها السابقة والحالية؟

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الميليشيات الحوثية حكرًا على...

ممول الإرهاب وعرّاب الفوضى.. كيف تستخدم طهران الميليشيات الطائفية والشبكات السيبرانية معًا؟

تتوالى الضربات الموجهة للبنى التحتية الرقمية التي تستخدمها الأذرع...

العراق أمام مفترق طرق.. استكمال الحكومة أم استمرار صراع النفوذ والفصائل؟

تخوض الدولة العراقية منعطفًا سياسيًا بالغ التعقيد والخطورة، وسط...

تصدع داخل الميليشيات الحوثية.. لماذا تتزايد الانتقادات من قياداتها السابقة والحالية؟

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الميليشيات الحوثية حكرًا على خصومها، إذ بدأت خلال السنوات الماضية أصوات من داخل بيئتها الموالية توجه انتقادات لاذعة إلى طريقة إدارتها لمناطق سيطرتها، متهمةً قياداتها بالجباية، والفساد، والاستحواذ على مؤسسات الدولة، وتغليب مصالح الجماعة وأجنحتها على مصالح المواطنين.

وفي أحدث هذه المواقف، هاجم محمد المقالح، القيادي السابق فيما كانت تُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا» التي أدارت انقلاب الجماعة، جماعة الحوثي، واصفًا إياها بأنها «سلطة طاردة للحياة»، وقال إنها دفعت برؤوس الأموال والمثقفين والفنانين والسياسيين والنشطاء والإعلاميين إلى مغادرة البلاد.

وقال المقالح إن صنعاء شهدت خلال سنوات سيطرة الحوثيين نزيفًا وهجرة جماعية لرؤوس الأموال، وشرائح واسعة من النخب، إلى جانب مغادرة قنوات، ومراسلين إعلاميين، فيما يعيش من تبقى، وفق وصفه، حالة من الانكفاء على الذات، ومعاناة يومية تعكس تدهور الأوضاع المعيشية.

عندما تنقلب البيئة الحاضنة على جحيم الميليشيات

وتشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تحولات دراماتيكية عميقة تمثلت في تصدع بنيتها الداخلية وانفضاض العشرات من قياداتها التاريخية والميدانية عن خطها السياسي والعقائدي.

ولم يعد السخط مقصورًا على الشارع الذي يئن تحت وطأة الجبايات وانقطاع الرواتب، بل امتد ليضرب في عمق القيادات التي صنعت الانقلاب ومهدت له.

وتكشف التقارير الاستقصائية والشهادات الحية المتواترة عن حالة من الاحتقان غير المسبوق، حيث تحولت صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لسطوة الميليشيات إلى بيئة طاردة للكفاءات ورؤوس الأموال، وسط اتهامات صريحة لقيادات الصف الأول بتحويل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات خاصة لجبايات الأموال وتكريس الاستبداد والتمييز العنصري والمناطقي.

صرخات من الداخل: محمد المقالح يفضح سلطة طاردة للحياة

وقال المقالح إن سلطة الحوثيين باتت «منقسمة على نفسها»، معتبرًا أن السبب الجذري لذلك هو قضية الولاية التي قال إنها «تستهلكها، وستُهلكها حتمًا».

وتحمل تصريحات المقالح دلالة سياسية لافتة، خصوصًا أنها صادرة عن شخصية عرفت المشهد الحوثي من الداخل، وسبق أن كانت جزءًا من بنيته السياسية، ما يمنح الانتقادات وزنًا أكبر من تلك التي تصدر عن خصوم الجماعة التقليديين.

انشقاق النقيب أبو مرتاح الصيادي: هروب ضابط أمن من جحيم الجوع والظلم

وفي مؤشر آخر على اتساع دائرة السخط، أعلن قبل أيام ضابط في جهاز الأمن المركزي التابع للحوثيين انشقاقه عن الجماعة، بعد أن حظي باهتمام واسع إثر ظهوره في تسجيل مصور اشتكى فيه من الجوع، وتدهور الظروف المعيشية التي يعاني منها أفراد الأمن.

واشتهر النقيب أبو مرتاح الصيادي بعد ظهوره في تسجيل مصور قال فيه إنه «جائع»، قبل أن تتحول العبارة إلى مادة للتداول الواسع، باعتبارها تعبيرًا عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مناطق سيطرة الحوثيين.

وفي تسجيل مصور جديد، قال الصيادي: «الحمد لله الذي أخرجني من بين الظالمين، والمجرمين. لقد نجوت بمعجزة»، وأوضح أنه خدم لسنوات في قوات الأمن المركزي، وأقر بدوره السابق في دعم الحوثيين، قائلًا إنه حشد الناس لفعاليات الجماعة، وشارك في عمليات أمنية، وجمع أموالًا من المدنيين، بينهم مالكو سيارات، لدعم أنشطتها، معربًا عن أسفه لذلك.

وقال إن انخراطه في التجنيد وتعبئة الناس كان من أكبر أخطائه، وزعم أن مسؤولين حوثيين أجبروه على الاعتذار بعد انتشار مقطع «أنا جائع».

وأضاف أن انتشار التسجيل أثار قلقًا لدى قيادات الجماعة، التي أمرت قوات الأمن في صنعاء بالبقاء في حالة تأهب خشية اندلاع احتجاجات شعبية.

كما اتهم الصيادي مسؤولين ومشرفين حوثيين بالاستيلاء على منازل وممتلكات مواطنين، وانتقد أوضاع السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة، قائلًا إن بعض المحتجزين يقبعون فيها منذ أشهر بسبب خلافات بسيطة.

ويأتي ظهور الصيادي وانشقاقه في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطًا عسكرية متزايدة على جبهات القتال، وبالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية للأوضاع الاقتصادية، والمعيشية في مناطق سيطرتها، بما يضيف بُعدًا أمنيًا إلى حالة السخط التي بدأت تظهر من داخل بيئتها.

عبد السلام الكبسي وعبد السلام جحاف: اتهامات بالظلم والتمييز والجبايات

وفي مسار موازٍ، صعّد الأكاديمي في جامعة عمران، والموالي سابقًا لجماعة الحوثيين، عبد السلام الكبسي، انتقاداته لسلطة الجماعة، وحكومتها، متهمًا إياها بتحميل أبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

وقال الكبسي إن «الظلم الأعظم» يتمثل في إلقاء اللائمة على شخص مع معرفة أنه غير مسؤول عما حدث، وتحميله مسؤولية أمر «لم يعمله، أو يعلمه».

ولا تأتي هذه الانتقادات بمعزل عن مواقف سابقة للكبسي؛ إذ سبق له أن هاجم الأوضاع الاقتصادية والإدارية في مناطق سيطرة الحوثيين، وانتقد ما وصفه بـ«دولة الجبايات»، محذرًا من الأعباء المالية المتزايدة التي يتحملها المواطنون في ظل انقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات، وتفاقم الأوضاع المعيشية.

كما انتقد الخطاب السياسي للجماعة، ورفض اختزال اليمن في مشروعها السياسي، أو تقديمها باعتبارها الممثل الوحيد للبلاد. وامتدت خلافاته مع سلطة الحوثيين إلى ملفات أخرى، بينها قضايا الأراضي، والممتلكات، حيث وجه انتقادات لما اعتبره استغلالًا للنفوذ، ومحاولات للاستحواذ على ممتلكات المواطنين.

أما القيادي الحوثي عبد السلام جحاف، الذي يشغل منصب عضو مجلس شورى الجماعة، فقد اتخذ انتقاده منحى أكثر مباشرة، بعد ظهوره في تسجيل مرئي تحدث فيه بنبرة غاضبة عن ممارسات قال إنه تعرض لها من داخل المنظومة الحوثية التي ينتمي إليها.

ووجه جحاف انتقادات حادة إلى قيادات نافذة في الجماعة، متهمًا إياها بشن حملات تشويه وتحريض ضده، والتضييق عليه، وتهديده، في تصعيد علني ينقل الخلافات من الغرف المغلقة إلى المجال العام.

وقال جحاف إنه لن يصمت أمام ما يتعرض له، حتى لو كلفه ذلك حياته، في موقف يعكس مستوى الاحتقان داخل الجماعة، خصوصًا أن الرجل عُرف خلال السنوات الماضية كأحد المدافعين عنها، والمهاجمين لخصومها، ولا يُعد هذا أول خلاف لجحاف مع قيادات حوثية؛ إذ سبق أن انتقد قيادات من محافظة صعدة، معقل الجماعة، واتهمها بتهميش أبناء محافظة ريمة، والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من «الدرجة الخامسة».

وفي خضم هذه التطورات المتسارعة، يتضح جليًا أن تصدع جدار البيئة الحاضنة للجماعة الحوثية لم يعد مجرد استنتاج نظري، بل واقع ملموس تشهد عليه انشقاق القيادات وتسريب الشهادات الحية، مما ينذر بمرحلة بالغة الخطورة تفقد فيها الجماعة ما تبقى من رصيد شعبي وأخلاقي يبرر استمرار سلطتها.