تتجدد المعاناة اليومية للمواطنين في العاصمة الليبية طرابلس على وقع أزمات خانقة ومستمرة في قطاع المحروقات، حيث عاودت طوابير السيارات الطويلة والازدحام الشديد الظهور بوضوح أمام محطات التزود بالوقود خلال الأيام القليلة الماضية.
هذا المشهد الميداني المعقد يعكس فجوة عميقة بين وفرة المخزون الإستراتيجي المعلن عنه في مستودعات الدولة والقدرة الفعلية لشبكات التوزيع على إيصال المواد الأساسية إلى المستهلك النهائي بسلاسة وانتظام.
وفي ظل استمرار هذه التحديات، تجد المؤسسات الرسمية نفسها في مواجهة مباشرة مع ضغوط شعبية واقتصادية متصاعدة، وسط مطالبات حقوقية ورسمية بضرورة فرض رقابة صارمة على أسواق المحروقات وقطع دابر عمليات التهريب والتلاعب التي تدار عبر شبكات وميليشيات مسلحة تتقاسم النفوذ وتستنزف مقدرات الدولة الليبية على حساب أمن وسلامة المواطنين الأبرياء.
إجراءات استثنائية لشركة البريقة.. توسيع نطاق البيع المباشر وضخ مئات آلاف اللترات
في محاولة جادة وحثيثة لاحتواء موجة الاختناقات الحادة في إمدادات الوقود، أعلنت شركة “البريقة لتسويق النفط” عن تكثيف إجراءاتها التشغيلية والميدانية عبر توسيع نطاق خدمة البيع المباشر لوقود الديزل المعروف محليًا بـ “النافطة” للشاحنات، لتشمل أربع محطات متنقلة رئيسية بطريق المطار في طرابلس.
وفي تصريحات صحفية للناطق باسم الشركة أحمد المسلاتي، أكد أن الكميات التي جرى توزيعها بشكل مباشر عبر نقاط البيع المباشر ومختلف شركات التوزيع بلغت نحو 518 ألفاً و500 لتر من وقود الديزل، مع التأكيد على استمرار تزويد هذه المواقع الحيوية بالكميات المطلوبة وفق الجداول والبرامج المعتمدة.
ورغم هذه الجهود المكثفة، فإن رصد وسائل الإعلام المحلية لاصطفاف المركبات لساعات طويلة يؤكد أن الأزمة الحقيقية لا تكمن حصرًا في نقص الكميات الإجمالية، بل في عجز آليات التوزيع التقليدية عن مواكبة حجم الطلب الهائل والمتزايد في المدن الكبرى.
موقف وزارة الداخلية.. ناقلات المحروقات تصل الميناء وسط تأكيدات بانتظام التدفق
على الصعيد الرسمي الحكومي، سارعت وزارة الداخلية بحكومة “الوحدة الوطنية” المؤقتة إلى احتواء حالة التذمر العام عبر إصدار تأكيدات قاطعة بانتظام إمدادات الوقود وتوفر كميات كافية وآمنة من مادة البنزين في المستودعات الرئيسية.
وأشارت الوزارة إلى وصول ناقلة نفط ضخمة محملة بنحو 40 مليون لتر إلى ميناء طرابلس، بالتزامن مع الاستعدادات الجارية لاستقبال شحنة إضافية أخرى خلال الأيام القادمة، بينما أعلنت شركة البريقة استمرار عمليات الضخ والتوزيع على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.
وتشير هذه المعطيات إلى أن المشكلة التشغيلية الحالية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود اختلالات في شبكات التوزيع اللوجستية ومواجهة قطاع النقل والصناعة لتعقيدات يومية في الحصول على حصصهم المقررة من وقود الديزل، مما يستدعي تدخلاً جذريًا يعيد تنظيم المنظومة بأكملها بعيدًا عن الفوضى والمضاربات غير القانونية.
اختراق أزمة الجنوب وتحديات الميليشيات.. آفاق إنهاء نزيف الإمدادات واستعادة الاستقرار
وفي خطوة متزامنة لفك العزلة وتخفيف المعاناة عن المناطق الداخلية، أعلنت شركة البريقة استئناف شحنات الوقود المنتظمة إلى مستودع سبها اعتبارًا من يوم الإثنين، قادمة من مستودعي مصراتة والزاوية، وذلك بعد استكمال كافة الترتيبات التشغيلية والفنية لإعادة تنظيم الإمدادات وتعزيز الحصص الموجهة لمناطق الجنوب الليبي.
حيث تشير تقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومنظمات حقوقية دولية ومحلية إلى أن السيطرة المستمرة للتشكيلات المسلحة والميليشيات على مفاصل أمنية واستراتيجية بالعديد من المناطق تمثل العائق الأكبر أمام استقرار الأسواق وتأمين سلاسل الإمداد وإن استمرار هذه الانتهاكات يفاقم الأزمات المعيشية للسيادة الليبية، مما يحتم تضافر الجهود الوطنية والدولية لتفكيك الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، لضمان حماية المواطنين وتهيئة المناخ الملائم لإنجاز التسوية السياسية الشاملة.
وتشهد الساحة الليبية أزمات هيكلية متراكمة تعيق مسارات الاستقرار السياسي والاقتصادي، حيث تتفاقم معاناة المواطنين اليومية بسبب هشاشة البنى التحتية واستمرار الانقسام المؤسسي بين الشرق والغرب.
ورغم المحاولات المستمرة التي تقودها الأمم المتحدة والبعثات الدولية لتوحيد الرؤى وإنجاز القوانين الانتخابية المعطلة، إلا أن سيطرة التشكيلات المسلحة والميليشيات على مفاصل أمنية واقتصادية حساسة تقف حجر عثرة أمام بسط سيادة القانون.
وتنعكس هذه الفوضى بشكل مباشر على قطاعات حيوية مثل الطاقة والوقود، مما يثير غضبًا شعبيًا عارمًا ومطالبات حقوقية ودولية ملحة بضرورة تفكيك الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة الليبية، تمهيدًا لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات شاملة تنهي حقبة الانقسام والانفلات الأمني المزمن.

