يتصاعد الجدل السياسي في الساحة الليبية بشكل متسارع على وقع إعلان أعضاء اللجنة المصغرة المعروفة بـ “4+4” عن التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة تفاهمات جديدة تستهدف تعديل القوانين الانتخابية وإعادة هيكلة مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
هذه الخطوة التي جاءت ثمرة لاجتماعات مكثفة استضافتها العاصمة التونسية برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، فتحت بابًا واسعًا من التساؤلات والتحذيرات المتبادلة بين مختلف الأطراف الفاعلة حول مدى تجاوز المؤسسات الرسمية القائمة وتهميش الأطر القانونية الدستورية النافذة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه البلاد من انقسام سياسي مزمن وأزمات هيكلية حالت دون إتمام الاستحقاق الانتخابي الذي كان مقررًا أواخر عام 2021، مما يجعل هذه التفاهمات الجديدة محط أنظار الشارع الليبي والمجتمع الدولي الراغب في إنهاء حالة الجمود المستحكمة.
سرية المخرجات وموقف المجلس الرئاسي.. تحذيرات صارمة من الغياب التام للشفافية
أثارت السرية المحيطة ببنود اتفاق لجنة “4+4” انتقادات واسعة من دوائر رسمية وسياسية عديدة، وفي مقدمتها المجلس الرئاسي الليبي الذي عبر رئيسه محمد المنفي عن رفضه التام للغموض الذي يكتنف التفاهمات والترتيبات الجارية برعاية أممية.
وأكد المنفي أن أي مسار تسوية ناجح يجب أن يستند إلى قواعد واضحة ومرجعيات دستورية صلبة تحترم الاختصاصات القانونية وتضمن استمرارية التنفيذ بعيدًا عن القرارات الغامضة التي تتعارض مع مبدأ الشفافية المفترض.
وفي السياق ذاته، شدد المجلس الأعلى للدولة على أهمية احترام المؤسسات القائمة واستكمال كافة الإجراءات التشريعية اللازمة قبل اعتماد أي مخرجات سياسية، محذرًا من خطورة القفز على النصوص القانونية المعتمدة وما قد يجر ذلك من تعقيدات إضافية على المشهد العام.
غضب الأحزاب السياسية.. رفض قاطع لمساعي الإقصاء والعودة إلى قوانين عام 2014
لم تقتصر الانتقادات على المؤسسات السيادية، بل امتدت لتشمل القوى الحزبية والمدنية، حيث أعلنت “تنسيقية الأحزاب والتكتلات السياسية” في ليبيا رفضها المسبق لما وصفتها بالتفاهمات الأحادية للجنة “4+4”.
وحذرت التنسيقية من مغبة العودة إلى صيغة قانون الانتخابات الصادر في عام 2014 والقائم على النظام الفردي، معتبرة أن ذلك يمثل محاولة مقصودة لإقصاء الأحزاب السياسية وتفريغ العمل الديمقراطي من مضمونه التعددي الحقيقي.
وطالبت القوى السياسية بضرورة النشر الفوري والكامل لنص الاتفاق وجميع التعديلات المرتبطة به لتمكين الرأي العام من المناقشة المجتمعية الواسعة، مؤكدة أن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتحقق عبر تفكيك السياسة وحصرها في نطاق الأفراد دون مظلة تنظيمية ومؤسسية واضحة.
ويرى محللون سياسيون، أن التوقيع بالأحرف الأولى يمثل خطوة اختبار حقيقية لمدى قدرة الجهود الأممية على تحويل النصوص النظرية إلى خطوات عملية على الأرض، شريطة تفادي الأخطاء السابقة المتعلقة بصراع الصلاحيات ومصالح القوى النافذة.
وحذر المراقبون من أن المعضلة الليبية الحقيقية لا تكمن فقط في التوصل إلى توافقات ورقية، بل في ضمان قبول جميع الأطراف المتنافسة بنتائج الانتخابات القادمة عندما تحين لحظة الاقتراع الفعلي.
وبينما تواصل بعثة الأمم المتحدة مساعيها لتهيئة الأجواء واستكمال الإجراءات التنظيمية، يظل الشارع الليبي مرتقبًا لما ستسفر عنه الأيام القادمة من توضيحات رسمية تكشف مصير القوانين الانتخابية ومسارات توحيد المؤسسات السيادية والأمنية المتقاطعة.
وتستمر الأزمات المعقدة في ليبيا بالتأثير العميق على استقرار البلاد وسلامة مواطنيها، في ظل استمرار سيطرة التشكيلات المسلحة والميليشيات على مفاصل أمنية واسعة وغياب السيطرة المركزية الموحدة.
وتشير تقارير الأمم المتحدة والبعثة الأممية للدعم في ليبيا إلى أن تنامي نفوذ الجماعات المسلحة وخروقاتها المتكررة يمثلان العائق الأكبر أمام بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.
وتتفاقم المعاناة اليومية لليبيين بسبب التترات الأمنية واشتباكات الميليشيات المتكررة في المدن الكبرى، والتي تترافق مع أزمات خدمية حادة تشمل انقطاعات واسعة في شبكات الكهرباء ونقص الوقود والمياه، وسط مطالبات حقوقية ودولية بضرورة تفكيك هذه التشكيلات غير القانونية وحصر السلاح بيد الدولة لضمان حماية المدنيين وتهيئة الظروف الملائمة لإنجاز الاستحقاقات الانتخابية والسياسية المنشودة.

