ذات صلة

جمع

هل يفتح قانون العفو العام في لبنان باب المصالحة أم يكرس خطر الإفلات من العقاب؟

يشهد المشهد السياسي والقضائي في لبنان هزات متتالية تعكس...

غزة أمام اختبار حاسم.. نزع سلاح حماس يصطدم بمسار الانسحاب الإسرائيلي

تواجه المرحلة الثانية من اتفاق غزة اختبارًا بالغ التعقيد،...

بين شعارات السلام وواقع البندقية.. لماذا فشلت دعوات قائد الجيش السوداني في إقناع الشارع؟

يشهد المشهد السياسي والميداني في السودان حالة من الانسداد العميق والرفض القاطع لأي مبادرات أحادية الجانب تطلقها قيادة القوات المسلحة بقيادة عبدالفتاح البرهان، في ظل استمرار آلة الحرب وحصدها لأرواح الأبرياء.

فقد اصطدمت الدعوة الأخيرة التي أطلقها البرهان لعقد حوار داخلي بموجة عارمة من الاستنكار والرفض من قبل القوى السياسية الحية، والممتهنة للعمل الديمقراطي، والمنظمات الحقوقية التي اعتبرت المبادرة مجرد “مناورة سياسية فارغة” تفتقر إلى أبسط مقاييس المصداقية والجدية.

وتؤكد القوى المدنية، أن أي دعوة للحوار تنطلق في ظل غياب تام لوقف إطلاق نار حقيقي، ومع استمرار المعاناة الإنسانية الكارثية، ليست سوى محاولة مفضوحة لشرعنة الحرب وإعادة إنتاج نظام الحركة الإسلامية الإخوانية الواجهة السياسية للمخلوع عمر البشير، مما يفرض على المجتمع الدولي وقفة جادة لتوثيق الجرائم ورفض محاولات الالتفاف على مطالب الشعب السوداني المشروعة في الحرية والسلام والعدالة.

أرقام مرعبة عن ضحايا النزوح والكارثة الإنسانية في السودان

وتستند التقييمات الحقوقية والدولية للوضع المأساوي في السودان إلى سجلات موثقة بالأرقام الدقيقة أصدرتها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية المعتمدة حتى منتصف عام 2026.

وأكدت التقارير الأممية الصادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، أن الصراع المسلح الدائر منذ أبريل 2023 أدى إلى أسوأ أزمة نزوح في التاريخ الحديث، حيث تجاوز عدد النازحين داخليًا واللاجئين إلى دول الجوار حاجز 14 مليون شخص، بينهم ملايين الأطفال والنساء الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد ومخاطر المجاعة المحدقة.

ووثقت التقارير الحقوقية الصادرة عن لجان دولية مستقلة وقوع انتهاكات جسيمة وجرائم حرب تمثلت في القصف العشوائي للمناطق السكنية، واستهداف المستشفيات ومرافق البنية التحتية، وعمليات القتل خارج نطاق القانون، وسط عجز تام للمنظومة الحالية عن توفير الحماية للمدنيين الأبرياء ومحاسبة مرتكبي تلك الجرائم.

اتهامات صريحة بسعي الواجهات الإخوانية لشرعنة الحرب

قوبلت دعوة قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان لحوار داخلي برفض قاطع من مختلف التيارات السياسية والمدنية المناهضة للحرب، والتي أصدرت بيانات شجب واستنكار واسعة النطاق.

وفي هذا السياق، أكدت قوى سياسية بارزة، من بينها “الحركة الشعبية – التيار الثوري”، أن الحوار المزعوم يأتي بدعوة من طرف واحد يتحمل المسؤولية المباشرة عن إشعال فتيل الحرب، مما يفقده أي قيمة وطنية أو أخلاقية ويهدر موارد الفقراء في البلاد.

وأشارت البيانات الحقوقية والسياسية إلى أن اللجنة التحضيرية المعلن عنها تسعى بشكل مفضوح إلى إعطاء شرعية مزعومة لقائد الجيش وأعوان النظام البائد من قيادات الحركة الإسلامية، والذين يسعون عبر هذه اللافتات والواجهات إلى الهروب من الاستحقاقات الوطنية الكبرى المتمثلة في إنهاء اختطاف الدولة وتفكيك شبكات التمكين الحزبي التي دمرت مقومات السودان طيلة ثلاثة عقود.

شروط الانتقال المدني وضرورة بناء جيش مهني.. رؤية القوى السياسية لإنهاء الأزمة

تجمع القوى السياسية والوطنية في السودان على أن أي حل سياسي حقيقي ومستدام لا يمكن أن يبدأ إلا بتوافر شروط موضوعية صارمة تضمن تفكيك بنية نظام الاستبداد وتأسيس دولة قانون ديمقراطية حقيقية.

وفي تصريحات موثقة، اشترط رئيس حزب الأمة السوداني، مبارك الفاضل المهدي، ضرورة قيام قيادة الجيش بخطوات شجاعة تسبق أي حوار، وتتمثل في إعلان قبول المصالحة الوطنية الشاملة، والوقف الفوري والدائم لإطلاق النار، والدخول في مسار سياسي جاد يفضي في نهايته إلى نقل كامل للسلطة إلى المدنيين.

وأكد المهدي على حتمية إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية لتصبح مؤسسة مهنية وقومية محترفة تبتعد كليًا عن ممارسة العمل السياسي والنشاط الاقتصادي والتجاري، لضمان عدم تكرار مآسي الانقلابات العسكرية التي دمرت مقدرات الوطن وعطلت مساره الديمقراطي.

حتمية ملاحقة مجرمي الحرب وإنهاء الإفلات من العقاب

تفرض التحديات الكارثية والجرائم الجسيمة المرتكبة في السودان حتمية إرساء نظام صارم للعدالة الانتقالية ومحاسبة كافة المسؤولين عن إشعال الحرب وانتهاك حقوق الإنسان دون استثناء.

إن المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان العالمية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتفعيل مذكرات التوقيف الدولية وتكثيف الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على قادة الأطراف المتحاربة لإرغامهم على وقف إطلاق النار والانصياع لإرادة السلام العادل، ولن يتمكن السودان من استعادة عافيته وبناء مستقبله المشرق إلا بتطهير مؤسسات الدولة من عناصر التنظيمات المتطرفة، وضمان عدم إفلات أي مجرم من العقاب، وتحقيق مطالب الشهداء والجرحى في إقامة نظام مدني ديمقراطي حقيقي يصون كرامة المواطن السوداني ويحفظ وحدة أراضيه وسيادته الوطنية بعيدًا عن أطماع أمراء الحرب والواجهات الحزبية المارقة.