ذات صلة

جمع

هل يفتح قانون العفو العام في لبنان باب المصالحة أم يكرس خطر الإفلات من العقاب؟

يشهد المشهد السياسي والقضائي في لبنان هزات متتالية تعكس...

غزة أمام اختبار حاسم.. نزع سلاح حماس يصطدم بمسار الانسحاب الإسرائيلي

تواجه المرحلة الثانية من اتفاق غزة اختبارًا بالغ التعقيد،...

هل يفتح قانون العفو العام في لبنان باب المصالحة أم يكرس خطر الإفلات من العقاب؟

يشهد المشهد السياسي والقضائي في لبنان هزات متتالية تعكس عمق الأزمات البيكلية التي تعاني منها البلاد، على وقع إقرار البرلمان لقانون العفو العام الذي أثار عاصفة من الجدل واسع النطاق، حيث أنه لم يكن هذا التشريع مجرد خطوة تقليدية لإطلاق سراح آلاف السجناء، بل تحول إلى محك حقيقي واختبار دقيق لقدرة الدولة على الموازنة بين مقتضيات المصالحة الوطنية المجتمعية وضرورات تحقيق العدالة الناجزة دون تحول العفو إلى غطاء آمن لإفلات المجرمين من العقاب.

وتكشف التقارير الحقوقية والأممية الموثقة، أن لبنان يرزح تحت وطأة أزمات مأساوية وتحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة، تفاقمت بفعل سياسات الميليشيات وشبكات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات العابرة للحدود، مما يفرض على الحكومة برئاسة نواف سلام مواجهة حاسمة لترميم مؤسسات الدولة واستعادة ثقة المواطن والمجتمع الدولي.

تقارير الأمم المتحدة والوكالات الدولية.. توثيق أزمات لبنان وجرائم شبكات التهريب

تستند التقييمات الشاملة للوضع اللبناني إلى سجلات رسمية موثقة بالأرقام والتواريخ أصدرتها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية المعتمدة حتى منتصف عام 2026.

وأكدت التقارير الأممية، أن سيطرة الفصائل المسلحة وتنامي شبكات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات -ولا سيما تهريب شحنات الكبتاغون نحو دول الخليج العربي- قد تسببت في إدخال لبنان في عزلة عربية ودولية خانقة، وألحقت أضرارًا فادحة بالاقتصاد الوطني والصادرات الصناعية والزراعية.

ووثقت الهيئات الدولية تداعيات الانهيار المالي الشامل وتفشي الفساد الممنهج الذي أدى إلى حرمان ملايين المودعين من أموالهم، وسط عجز الهياكل التقليدية عن كبح جماح الفساد المستشري، مما يجعل أي خطوة تشريعية كقانون العفو موضع رصد دولي دقيق لمدى التزامها بمعايير سيادة القانون وحقوق الإنسان.

وتكتسب الاستثناءات الصارمة التي نص عليها قانون العفو العام أهمية بالغة، لكونها ترسم حدودًا فاصلة وحاسمة بين الجرائم التي لا يمكن التسامح معها وبين الموقوفين والمحكومين الذين طالهم الظلم وآن أوان إنصافهم.

وقد حرص المشّرع على إبقاء الجرائم الكبرى خارج نطاق العفو، وأبرزها الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، وجرائم القتل العمد، والأعمال الإرهابية المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين، فضلاً عن جرائم الخيانة والتجسس والتعامل غير المشروع مع العدو.

وفي المقابل، أثار استثناء جرائم المخدرات المتكررة -التي تشكل نحو 40 في المائة من الملفات القضائية ويتركز معظمها في منطقة بعلبك والهرمل- اعتراضات نيابية حادة، حيث انتقد نواب مثل غازي زعيتر القانون ووصفوه بغير المتوازن، مؤكدين أن ظروف المنطقة التاريخية فرضت واقعًا معيشيًا صعبًا، بينما شددت المراجع القضائية على ضرورة عدم تحويل العفو إلى مظلة تحصن تجار السموم وسارقي المال العام من العقاب.

تقارير هيومن رايتس ووتش.. رصد انتهاكات المنظومة القضائية وحماية حقوق السجناء

في تقارير حقوقية بالغة الأهمية أصدرتها منظمة «هيومن رايتس ووتش» ولجان دولية مستقلة، تم تسليط الضوء على الأوضاع المأساوية داخل السجون اللبنانية وضرورة معالجة ملف التوقيف الاحتياطي الطويل الذي تسبب في ظلم فادح لآلاف الموقوفين دون محاكمات عادلة.

وأشارت التقارير إلى أن آلية الملاحقات القضائية السابقة، التي تستند في كثير من الأحيان إلى مجرد ورود الأسماء في سجلات الهواتف المحمولة، أدت إلى صدور أحكام غيابية ظالمة بحق شريحة واسعة من أبناء المناطق المحرومة.

وأكدت المنظمات الحقوقية، أن أي قانون عفو حقيقي يجب أن يقترن بإصلاحات جذرية تضمن استقلالية القضاء، وتسريع المحاكمات العادلة، وضمان عدم استخدام النصوص القانونية لأغراض سياسية أو كيدية، مع ضرورة محاسبة كافة المتورطين في جرائم الفساد والإثراء غير المشروع وتبديد أموال المودعين.

آفاق المستقبل والعدالة الإصلاحية.. ضرورة استعادة هيبة الدولة وإصلاح القطاع المالي

وتتطلب خطورة الأوضاع الراهنة في لبنان تضافرًا حقيقيًا للجهود الوطنية والدولية لإصلاح منظومة العدالة وتفكيك شبكات الفساد والجرائم المنظمة التي تشكل خطرًا داهمًا على كيان الدولة واستقرارها.

إن نجاح قانون العفو أو فشله لا يقاس بعدد المستفدين منه فحسب، بل بقدرته على ترسيخ قواعد العدالة الهادفة إلى حماية المجتمع ومنع انهيار مؤسساته الدستورية، ولن يتمكن لبنان من استعادة عافيته الاقتصادية والسياسية إلا بفرض سيادة القانون على الجميع سواسية، ومحاسبة رؤوس الفساد، وتطهير قطاع العدالة والمصارف، وبناء دولة ديمقراطية حديثة تصون كرامة المواطن وتعيد ربط البلاد بمحيطها العربي والدولي بعيدًا عن سياسات الهيمنة والإرهاب والانهيار المالي الشامل.