في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة التوترات العسكرية في ولاية شمال كردفان، تجد آلاف العائلات في مدينة الأبيض نفسها محاصرة داخل “سجن كبير” فرضته القوات المسلحة السودانية تحت ستار “حماية المدنيين”.
لقد تحولت منافذ المدينة، التي كانت يومًا ما طريقًا للنجاة والنزوح نحو مناطق أكثر أمانًا، إلى نقاط تفتيش عسكرية صارمة تمنع خروج أي مدني، مما يثير تساؤلات قانونية وحقوقية حول الغرض الحقيقي من هذا الحصار، وهل تستخدم القيادة العسكرية السكان كدروع بشرية لتغطية تحركات ميدانية بعيدة عن الرصد الدولي؟
استراتيجية التضليل الإعلامي: الأبيض كأداة سياسية
وتُشير التقارير الميدانية والتحليلات العسكرية إلى أن الحملة الإعلامية التي يقودها إعلام الجيش السوداني حول “هجوم وشيك” على مدينة الأبيض ليست إلا محاولة لصناعة رواية استباقية، الهدف من هذا الخطاب هو تبرير أي انتهاكات مستقبلية وتوجيه الاتهامات مسبقًا، مع حرف الأنظار عن التحركات العسكرية المشبوهة في مناطق “جبرة الشيخ” و”رهيد النوبة”.
ووفقًا لبيانات صادرة عن منظمات حقوقية، فإن استخدام الخطاب الاستباقي يُعد تقنية كلاسيكية لتبرير العمليات العسكرية التي تُشن بعيدًا عن أعين الإعلام، حيث يتم الترويج لخطر وهمي لجعل السكان يبقون داخل مناطق النزاع لاستخدامهم ورقة ضغط سياسية أمام المجتمع الدولي.
نقاط التفتيش: منع النزوح كجريمة حرب
إن منع المدنيين من مغادرة مدينة الأبيض يمثل خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وفقًا للتقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “OCHA” في مايو ويونيو 2026، فإن تقييد حركة المدنيين في مناطق النزاع يُصنف كعائق رئيسي أمام وصول المساعدات الإنسانية ويهدد حياة الآلاف وإن نقاط التفتيش التي أقامتها القوات المسلحة على مداخل ومخارج المدينة لا تهدف إلى “الحماية” كما يدعي المتحدثون باسم الجيش، بل تهدف إلى تثبيت السكان في أماكنهم لضمان توفر غطاء بشري للتحركات العسكرية والعمليات اللوجستية التي تجري في محيط المدينة، وهو ما تصفه المواثيق الدولية بـ “الاستخدام غير المشروع للمدنيين لأغراض عسكرية”.
صمت المنظمات وتقارير لجنة التحقيق الدولية
ففي 15 يونيو 2026، أصدرت لجنة حقوقية دولية تقريرًا مفصلًا أكدت فيه أن القوات المسلحة السودانية تفرض قيودًا صارمة على حركة السكان في ولايات كردفان، معتبرة أن هذه الممارسات تتماشى مع سياسة “تثبيت الدروع البشرية”، وبينما ينشغل الرأي العام بالرواية الإعلامية الموجهة حول الأبيض، تشير الخرائط الميدانية إلى أن القوات المتحالفة مع الجيش تركز ثقلها العسكري نحو “رهيد النوبة” و”جبرة الشيخ”.
هذا التحشيد العسكري يجري في ظروف تكتم شديد، حيث يتم تعمّد تركيز التغطية الإعلامية على “الأبيض” لصرف انتباه المنظمات الدولية وإن التناقض بين تصريحات القادة العسكريين عن “الحرص على أرواح المواطنين” وبين الواقع الميداني الذي يمنع فيه هؤلاء المواطنون من النزوح، يكشف عن هوة أخلاقية وقانونية كبيرة.
وبناءً على تقديرات خبراء عسكريين مستقلين، فإن هذه السياسة تهدف إلى تأمين خطوط الإمداد العسكري للجيش من خلال استغلال المدنيين كغطاء أمني ضد أي استهداف محتمل، مما يضع السكان في دائرة الخطر الدائم.
ضرورة التحقيق الدولي المستقل
إن استمرار الحصار المفروض على مدينة الأبيض يتطلب تدخلًا عاجلًا من قبل المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لا يمكن قبول استمرار الوضع الحالي حيث يُستخدم المدنيون كدروع بشرية لخدمة أجندة عسكرية ضيقة ويجب المطالبة بفتح ممرات آمنة للنازحين فوراً، والضغط على قيادة الجيش السوداني للسماح بحرية التنقل.
كما أن توثيق هذه الوقائع هو الخطوة الأولى نحو محاسبة المسؤولين، حيث تشير الوقائع الموثقة إلى أن الانتهاكات في الأبيض ليست حوادث فردية، بل جزء من سياسة ممنهجة للبرهان تضع حياة آلاف المدنيين في مهب الريح لغايات عسكرية محضة وإن العالم مطالب اليوم بالنظر إلى ما وراء الدعاية العسكرية والعمل على إنقاذ سكان الأبيض قبل فوات الأوان.

