تتفاقم الأزمة الليبية لتكشف عن وجهٍ أكثر قتامة يتجاوز الصراع على كراسي الحكم، ليغوص في دهاليز “اقتصاد الظل” الذي تفرضه شبكات تهريب الوقود والفساد المؤسسي المنظم، بينما يترقب الليبيون انفراجة سياسية.
و تشير التقارير الأممية والرقابية إلى أن شريان الحياة الوحيد للبلاد وهو قطاع النفط بات رهينة لمجموعات مسلحة وشبكات جريمة عابرة للحدود، مما يجعل أي تسوية سياسية مجرد حبر على ورق ما لم يتم تجفيف منابع هذا الفساد المهيكل.
اختلالات الحوكمة.. تقارير دولية تكشف حجم الكارثة
ولا يمكن قراءة المشهد الليبي اليوم بعيدًا عن تقرير منظمة “ذا سينتري” الصادم، الذي قدّر اقتصاد تهريب الوقود في ليبيا بأكثر من 20 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات فقط، بمتوسط سنوي يقارب 6.7 مليار دولار.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي أموال طائلة تُسلب من جيوب المواطنين الليبيين وتتحول إلى وقود لتمويل الجمود السياسي، حيث تشير التقارير الرقابية إلى أن استمرار هذا النزيف المالي يمثل التحدي الأكبر أمام استعادة الدولة لهيبتها وقدرتها على تقديم الخدمات الأساسية.
تتفق هذه الوقائع مع تحذيرات فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في تقريره الصادر في أبريل، والذي وثّق وصول عمليات تهريب الوقود إلى مستويات “غير مسبوقة”، مع تحولها إلى نشاط إجرامي منظم تشارك فيه مجموعات مسلحة نافذة.
إن هذه الحقائق تؤكد أن معضلة ليبيا ليست في نقص الموارد، بل في “الإدارة المتعمدة للموارد”، حيث يرى خبراء اقتصاديون، أن حماية الموارد العامة وصون مصالح المواطنين يستلزمان تعزيز الشفافية والمساءلة والرقابة الفاعلة بعيداً عن أهواء القوى المتصارعة.
إفلاس المؤسسات: عندما يهرب المستثمرون
في ظل شبهات الفساد وتداخل المصالح، باتت البيئة المؤسسية الليبية طاردة للاستثمار الأجنبي، حيث كشفت البيانات الرقابية عن تراجع عدد الشركات العالمية الموردة للوقود إلى ليبيا من 17 شركة في عام 2022 إلى 6 شركات فقط بحلول عام 2024.
هذا التراجع ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لهشاشة البيئة الرقابية، وضعف الشفافية في التعاقدات التي تثير تساؤلات مشروعة حول مستوى المنافسة ونزاهة العقود، مما يضع مستقبل قطاع الطاقة الليبي في مهب الريح.
وتُشير رئيسة قسم العقود السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، إلى أن “الشركات العالمية تتردد في ضخ استثمارات جديدة نظرًا لتردي بيئة الحوكمة والشفافية”، مستشهدة بتجارب تاريخية كانت فيها شبهات الفساد سببًا في انسحاب كبرى الشركات الدولية.
إن استمرار توقف مصفاة رأس لانوف منذ عام 2013 يظل شاهدًا حيًا على إهمال متعمد أو عجز إداري أفقد ليبيا المليارات، وحرم الاقتصاد الوطني من قيمة مضافة كانت كفيلة بتغيير وجه التنمية في البلاد.
الربط الحتمي بين الاقتصاد والاستقرار السياسي
وأكد مراقبون، أن الفصل بين الأزمتين الاقتصادية والسياسية في ليبيا أصبح ضربًا من الخيال، فالجمود السياسي الحالي هو نتيجة مباشرة لاختلالات إدارة المال العام.
كما يرى الدبلوماسيون المعنيون بالملف، أن استمرار “شبكات تهريب الوقود المدعوم” في عملها، وتغلغلها داخل مفاصل المؤسسة الوطنية للنفط والشركات التابعة لها، يعزز من قوة مراكز القوى التي لا مصلحة لها في نجاح العملية السياسية أو إجراء الانتخابات.
وتأتي التحركات الأممية الأخيرة، المتمثلة في لقاءات نائبتي المبعوثة الأممية مع ديوان المحاسبة، لتضع “إصلاحات الحوكمة” على رأس الأولويات، حيث شددت الأمم المتحدة على أن “مرحلة تشخيص الاختلالات يجب أن تعقبها إجراءات تنفيذية ملموسة”.
وإن هذه الضغوط تعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا بأن استمرار نهب الثروة النفطية وتوظيف عوائدها في تمويل الميليشيات سيؤدي حتمًا إلى “شلل مؤسسي” كامل، مما يهدد بانهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة الليبية ويغلق الباب أمام أي طموح لبناء نظام حكم ديمقراطي ومستدام.

