ذات صلة

جمع

محاور الموت والخراب.. كيف تهدد جرائم الحوثيين أمن الملاحة الدولية واستقرار اليمن؟

تشهد الساحة اليمنية في الآونة الأخيرة تصعيدًا عسكريًا خطيرًا...

جدار الفولاذ البحري.. كيف تواجه واشنطن أطماع طهران وتعطل شريان النفط الإيراني؟

تتجه الأنظار الدولية بحذر شديد نحو الخليج العربي ومضيق...

كيف ساهمت تحالفات البرهان والإخوان في تحويل السودان حاضنة لداعش؟

تحت وطأة تحالفات مظلمة تعيث فسادًا في جسد الوطن،...

من سوريا إلى مطار بيروت.. كيف تبحث إيران عن طرق جديدة لتمويل حزب الله؟

تتفاقم الأزمات المالية والاقتصادية التي يعاني منها وكلاء التخريب...

الغنوشي في مأزق قضائي.. لماذا يكرر إخوان تونس سيناريو المظلومية؟

بين أروقة المحاكم وسجون العاصمة التونسية، يعيد زعيم حركة...

سياسة “الإفقار المتعمد”..كيف يستخدم الحوثيون الجوع كأداة للسيطرة والتركيع؟

في صنعاء، لا تبدأ قصة المعاناة بقرار سياسي معقد، بل تبدأ من طفل يسأل والدته عن وجبة الغذاء، وأبٍ يحمل على كاهله أعباءً تفوق طاقة البشر بعد سنوات من حرمانٍ مبرمجٍ ومُمنهج تفرضه الجماعة الحوثية على رقاب الملايين، إنها سياسة “الإفقار المتعمد” التي تحولت من مجرد تداعيات اقتصادية للنزاع، إلى أداة سياسية خبيثة تستخدمها الجماعة لتركيع المجتمع، وتفكيك روابطه الاجتماعية، وإجبار الموظفين الحكوميين على القبول بواقع الذل للحفاظ على فتات البقاء.

تجفيف الشرايين الاقتصادية: كيف يعيش الموظف اليمني؟

يمثل انقطاع الرواتب عن أكثر من مليون موظف حكومي يمني في مناطق سيطرة الحوثيين منذ عام 2016، “جريمة اقتصادية” مكتملة الأركان، حيث تستحوذ الجماعة على الإيرادات الضريبية والجمركية وموارد مؤسسات الدولة، بينما يعيش الموظفون الذين أفنوا أعمارهم في الخدمة العامة حالة من الفقر المدقع.

وأشارت التقارير الصادرة عن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى أن انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في اليمن بلغت مستويات كارثية، حيث أدى منع صرف المرتبات إلى انهيار القدرة الشرائية لملايين الأسر، مما أجبر الأطفال على ترك مقاعد الدراسة والتوجه نحو سوق العمل غير المهيكل لتأمين وجبة طعام واحدة.

وتؤكد تقارير اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، التي توثق الانتهاكات بشكل دوري، أن سياسة “التجويع” التي تتبعها الجماعة ليست عارضة، بل هي استراتيجية ممنهجة لضمان ولاء النخبة وتفتيت النسيج الشعبي.

إن الموظف اليمني اليوم لا يواجه أزمة مالية فحسب، بل يواجه منظومة استبدادية تستغل حاجته للغذاء لتطويعه، مما يضع ملايين اليمنيين تحت رحمة المساعدات الإنسانية التي تتقلص يوماً بعد يوم، وفقًا لبيانات منظمة الفاو وبرنامج الأغذية العالمي.

تقارير أممية تدين استغلال الجوع

وفي تقرير مشترك صدر في منتصف عام 2025، حذرت وكالات الأمم المتحدة من أن اليمن يظل واحدًا من أكثر “بؤر الجوع الساخنة” خطورة في العالم، مشيرة إلى أن استمرار الحوثيين في فرض جبايات غير قانونية على التجار والمواطنين يرفع من أسعار السلع الأساسية لمستويات خيالية.

وتوضح الأرقام الأممية أن أكثر من 17 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع وجود فجوة تمويلية هائلة تصل إلى 60 في المائة في خطط الاستجابة الإنسانية، وهو ما يُحمل الجماعة المسؤولة عن تعطيل مسارات الإغاثة وتوجيه الموارد المنهوبة لتمويل مجهودها الحربي بدلاً من صرف رواتب الموظفين الذين يعانون من سوء التغذية الحاد.

ومن جهتها، أدانت منظمات حقوقية دولية منها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية في بيانات موثقة بين عامي 2024 و2025، الممارسات الحوثية التي ترقى إلى “جرائم حرب” عبر استخدام التجويع كأداة للسيطرة، مؤكدة أن تقييد حركة المساعدات ومصادرة الرواتب أدى إلى “موت صامت” لآلاف اليمنيين من الأمراض المرتبطة بسوء التغذية.

وقد استشهدت هذه التقارير بتصريحات لمقررين أمميين أكدوا أن القوانين المحلية التي تطبقها الجماعة لفرض الرسوم هي انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، الذي يمنع حرمان المدنيين من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة.

الإفقار كاستراتيجية للحرب النفسية

إن الهدف من وراء هذه السياسات ليس فقط حرمان الناس من الدخل، بل إعادة هندسة المجتمع اليمني وفقاً لمصالح الجماعة، حيث تتحول مراكز التوزيع والمساعدات الإنسانية إلى ساحات للنفوذ والمحسوبية.

وتؤكد الوقائع الميدانية، كما رصدتها مؤسسات المجتمع المدني اليمنية في تقاريرها لعام 2026، أن الجماعة تعمدت خلق “سوق سوداء” للغذاء والوقود، وتدير هذه السوق قيادات نافذة داخل الجماعة، مما يضاعف من معاناة الأسر العفيفة التي لا تملك سوى بيع أثاث منازلها أو أراضيها لتجنب المجاعة المحققة.

وتظل سياسة “الإفقار المتعمد” شاهدًا على الوجه القبيح لممارسات الحوثيين، الذين لم يكتفوا بدمار البنية التحتية، بل امتدت أيديهم لتجفيف منابع الحياة لدى المواطن اليمني.

وإن توثيق هذه الجرائم بأرقام الأمم المتحدة وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية ليس مجرد رصد للأحداث، بل هو نداء للمجتمع الدولي للتحرك لإنقاذ حياة الملايين قبل أن يبتلع الجوع الممنهج ما تبقى من كرامة إنسانية في هذا الجزء من العالم.