يواجه لبنان اليوم اختبارًا وجوديًا لسيادته في ظل مساعي الدولة لبسط سلطتها عبر جيشها الوطني على كامل أراضيها وصولاً إلى الحدود الجنوبية، وهو مسعى يصطدم مباشرة بحائط الرفض الذي أعلنه حزب الله.
حيث يمثل الملحق الأمني الملحق بالاتفاق الإطاري الموقّع مؤخرًا في واشنطن “كابوسًا” للحزب، ليس فقط لأنه ينص على نزع السلاح غير الحكومي، بل لأنه يفكك البنية التحتية العسكرية والأنفاق التي أنفق الحزب سنوات في بنائها بعيدًا عن أعين الدولة.
وتدرك قيادة الحزب، أن تنفيذ هذا الملحق يعني عمليًا نهاية حقبة “الدويلة” التي تهيمن على القرار الأمني والعسكري في لبنان، مما يفسر حدة التصريحات الرافضة للاتفاق ووصفه بـ”منعدم الوجود”، في محاولة لقطع الطريق على أي محاولة لفرض هيبة الدولة، وإنهاء حالة الانقسام المسلح التي أفقدت لبنان سيادته وقراره المستقل.
توثيق الانتهاكات: السجل الأسود لحزب الله في الأمم المتحدة
وتستند المطالب الدولية بنزع سلاح حزب الله إلى سجل طويل من الانتهاكات الموثقة، حيث أشارت تقارير الأمين العام للأمم المتحدة، ومنها التقرير الدوري حول تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 الصادر في مارس 2025، إلى أن “استمرار وجود أسلحة خارج سيطرة الدولة في جنوب لبنان يمثل انتهاكًا جسيمًا للقرار ويقوض سيادة لبنان واستقراره”.
كما وثقت تقارير “منظمة مراقبة حقوق الإنسان” في وقائع سابقة، استخدام الحزب للمناطق السكنية في جنوب لبنان كدروع بشرية، وتخزين الأسلحة والصواريخ في القرى المأهولة، وهو ما أكدته أيضًا تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة في يوليو 2024 التي أدرجت ممارسات الحزب ضمن انتهاكات القانون الدولي الإنساني التي تهدد حياة المدنيين.
عسكرة المجتمع: كيف اختطف الحزب القرار اللبناني؟
ولم يكتفِ حزب الله بامتلاك ترسانة عسكرية تفوق قدرات الجيش اللبناني بمراحل، بل عمل على بناء “دولة موازية” تتغلغل في مفاصل الإدارة العامة والخدمات، مما يجعل أي محاولة لتطبيق القانون الوطني تُقابل بالتهديد أو العرقلة السياسية.
حيث أدى هذا التغلغل إلى عزلة لبنان الدولية، إذ أدت مغامرات الحزب العسكرية، لا سيما دخوله الحرب في مارس الماضي، إلى تدمير البنية التحتية للجنوب وتسبب في مقتل أكثر من 4200 شخص، وفق إحصاءات رسمية.
إن تصريح رئيس الحكومة اللبنانية، جوزيف عون، حول العزم على بسط سلطة الدولة بواسطة القوى المسلحة الوطنية، يمثل أول محاولة جادة منذ عقود لإنهاء هذا الانفصام السياسي، حيث تدرك الحكومة أن بقاء “الأنفاق” و”المخازن السرية” هو تهديد مباشر لبقاء لبنان كدولة، وليس مجرد تحدٍ أمني عابر.
المعركة القانونية: لماذا يخاف حزب الله من “الملحق الأمني”؟
يُعد الملحق الأمني المرتقب حجر الزاوية في الاتفاق الإطاري، لأنه يتضمن آليات عملية للتحقق من تفكيك كافة البنى التحتية العسكرية للحزب، وهو أمر يرفضه الحزب جملة وتفصيلاً لأن سلاحه يمنحه نفوذًا سياسيًا محليًا وإقليميًا.
وبالنسبة للحزب، فإن القبول بهذا الملحق يعني اعترافًا ضمنيًا بسقوط “عقيدته القتالية” التي قامت على أن سلاحه هو “حامي لبنان”، بينما أثبتت الوقائع أنه كان سببًا في دمار البلاد.
كما أن الدعم الدولي للجيش اللبناني، الذي تجسد في تعهدات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بتقديم دعم بقيمة 30 مليون دولار لتعزيز سيادة الدولة، يضع الحزب في موقف حرج، حيث أصبح الرفض الشعبي لسلوكه يتصاعد مع كل غارة تشنها إسرائيل على “بنيته التحتية” التي يكتشف الجميع أنها كانت مزروعة وسط بيوتهم ومزارعهم.
وتأسس حزب الله كقوة مسلحة بتعليمات إيرانية مباشرة منذ الثمانينيات، وسرعان ما تحول من فصيل مقاومة إلى أداة جيوسياسية تعزز مصالح طهران على حساب المصلحة الوطنية اللبنانية.
لقد كشفت تقارير “معهد أبحاث الأمن القومي” في يناير 2026، أن الحزب يعتمد على شبكة تمويل غير قانونية، تشمل تجارة غير مشروعة لتمويل ترسانته، مما يجعله خارجاً ليس فقط عن القانون المحلي، بل عن المنظومة المالية الدولية.
وإن استخدام الحزب لجنوب لبنان كمنصة لإطلاق الصواريخ ردًا على صراعات إقليمية لا ناقة للبنان فيها ولا جمل، كان السبب المباشر في الحروب المتكررة التي عصفت بالجنوب.
وقد أشار تقرير صادر عن “المركز اللبناني للدراسات والأبحاث” في نوفمبر 2025 إلى أن 85% من الأنفاق التي دمرتها القوات الإسرائيلية كانت محفورة تحت مبانٍ مدنية ومرافق عامة، مما يؤكد تعمد الحزب تحويل المدنيين إلى وقود لحروبه.
وسيظل تنفيذ الملحق الأمني هو الاختبار الحاسم لمستقبل لبنان؛ فإما أن يستعيد الجيش اللبناني قراره السيادي وينتزع سلاح الميليشيات، أو يظل لبنان رهينة في يد تنظيم لا يعترف بحدود الدولة ولا بمصالح مواطنيها.
إن المجتمع الدولي يراقب، والشعب اللبناني الذي دفع فاتورة الدم والتدمير، ينتظر اللحظة التي يُرفع فيها السلاح غير الشرعي ليحل محله سلاح الشرعية الوطنية فقط.

