في تقارير هي الأكثر قسوة منذ اندلاع النزاع السوداني، كشفت إحاطات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” ومجلس الأمن الدولي عن واقع مأساوي يعيشه أطفال السودان حيث تحولوا من طلاب على مقاعد الدراسة إلى ضحايا لآلة الحرب التي يقودها عبد الفتاح البرهان.
وتشير الأرقام الرسمية الموثقة إلى أن نحو 8 ملايين طفل سوداني قد فقدوا حقهم الأساسي في التعليم منذ عام 2023، ليصبح السودان اليوم صاحب أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم، في ظل تجاهل تام للمواثيق الدولية لحقوق الطفل التي تجرم استهداف المرافق التعليمية أو تعريض حياة الصغار للخطر.
وتتزامن هذه الكارثة مع تصاعد العمليات العسكرية التي يشنها الجيش السوداني، والتي لم تستثنِ الأحياء السكنية أو مخيمات النازحين، حيث وثقت تقارير أممية أكثر من 5700 انتهاك جسيم بحق الأطفال، تشمل القتل، والتشويه، والتجنيد الإجباري، والاختطاف.
إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات تقنية في تقارير المنظمات، بل هي شهادة إدانة صارخة للعمليات العسكرية التي تستمر دون اكتراث بحياة المدنيين، مما يضع مستقبل البلاد في نفق مظلم لا يبدو أن هناك مخرجًا منه في ظل استمرار تمسك قيادة الجيش بالحل العسكري.
انهيار منظومة التعليم: جيل كامل خارج أسوار المدرسة
وبحسب تقارير اليونيسف لعامي 2025 و2026، فإن الانهيار الذي أصاب قطاع التعليم في السودان يُعد الأكبر من نوعه في تاريخ المنطقة، حيث أدت العمليات العسكرية والقصف المستمر إلى تحويل المدارس إلى ثكنات عسكرية أو ملاجئ غير مجهزة للنازحين.
ويواجه هؤلاء الأطفال مستويات خطيرة من العنف المباشر، وتؤكد التقارير أن انقطاعهم عن التعليم ليس مجرد توقف مؤقت، بل هو خطر حقيقي يهدد بضياع جيل كامل، مع زيادة هائلة في نسب عمالة الأطفال وزواج القاصرات نتيجة للفقر المدقع الذي خلفته الحرب.
ولا تتوقف معاناة هؤلاء الأطفال عند حدود الحرمان من التعليم، بل تمتد لتشمل الحرمان من الرعاية الصحية، حيث أشار المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إلى أن خطر الفظائع الجماعية يزداد مع اتساع رقعة المعارك، خاصة حول المدن الاستراتيجية مثل “الأبيض”، التي يواجه فيها نصف مليون نسمة تهديدات يومية بالقتل أو النزوح القسري بفعل القصف العشوائي المتبادل.
جرائم الحرب تحت المجهر الأممي: انتهاكات موثقة
وفي سياق متصل، طالبت المنظمات الحقوقية الدولية بضرورة محاسبة القادة العسكريين، وفي مقدمتهم عبد الفتاح البرهان، عن الانتهاكات الجسيمة التي تم توثيقها، خاصة استخدام الأسلحة المتطورة في مناطق مكتظة بالمدنيين.
ووفقًا لتقارير “لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن السودان”، فإن العمليات العسكرية للجيش السوداني تسببت في موجات نزوح داخلي فاقت 6.5 مليون نازح، بينما تجاوز عدد اللاجئين خارج الحدود 3.5 مليون شخص، مما خلق ضغطًا هائلاً على دول الجوار والمنظمات الإنسانية.
إن هذه الانتهاكات لا تقتصر على جانب واحد، إذ تؤكد التقارير أن طرفي النزاع قد انخرطا في صراع تدميري شامل، إلا أن مسؤولية الجيش كقوة نظامية تضاعف من وطأة الجرائم الموثقة دوليًا.
وتؤكد البيانات الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان، أن استمرار ضرب الجسور وممرات الإغاثة بالطائرات المسيّرة يهدف بشكل مباشر إلى تجويع المناطق الخارجة عن السيطرة العسكرية، وهو ما يرقى قانونًا إلى “جرائم حرب” بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تحذر المنظمات الدولية من أن نافذة تفادي التصعيد الأوسع تضيق بسرعة، خاصة مع فشل المبادرات السابقة في تحقيق هدنة إنسانية حقيقية تحمي المدنيين.
وتؤكد الإحاطات الأممية، أن الحرب في السودان لم تعد محصورة في النزاع على السلطة بين الجنرالات، بل تحولت إلى حرب استنزاف للموارد البشرية والوطنية، حيث يدفع الأطفال والمواطنون العزل الثمن الأغلى بينما يستمر تدفق السلاح الخارجي.
ويتطلب الوضع الراهن ضغطًا دوليًا عاجلاً للالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وضرورة فتح ممرات آمنة فورية لإغاثة النازحين في كردفان ودارفور والنيل الأزرق وإن استمرار تجاهل هذه النداءات لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الإنسانية، مما يجعل المسؤولية التاريخية تقع على عاتق المجتمع الدولي لوقف آلة القتل، وضمان عدم إفلات المتورطين في هذه الانتهاكات من العقاب العادل، وإعادة الاعتبار لحقوق ملايين الأطفال الذين سُرق منهم طفولتهم ومستقبلهم.
وإن الأرقام التي أوردتها اليونيسف والأمم المتحدة ليست مجرد أرقام، بل هي إنذار أخير للعالم أجمع؛ فالأطفال الذين يواجهون اليوم القصف والنزوح في مدن مثل: “الأبيض” و”كادوقلي” هم من سيحملون عبء إعادة بناء ما دمرته هذه الحرب، وإن الحفاظ على ما تبقى من السودان يتطلب توقفًا فوريًا عن الرهان على الحلول العسكرية التي أثبتت فشلها، والتوجه بجدية نحو مسار سياسي شامل يقوده المدنيون، وهو السبيل الوحيد لإعادة الأطفال إلى مقاعد دراستهم، ووضع حد لهذا المسلسل من الفظائع.

