ذات صلة

جمع

النيل الأزرق.. أطفال السودان يدفعون ثمن الحرب بالحرمان من التعليم

في تقارير هي الأكثر قسوة منذ اندلاع النزاع السوداني،...

حنان سليمان تكشف لأول مرة سبب رفضها الزواج بعد رحيل زوجها منذ 27 عامًا

تحدثت الفنانة حنان سليمان للمرة الأولى عن الأسباب التي...

أسعار الذهب اليوم في الدول العربية.. كم سجل عيار 21 و24؟

تشهد أسعار الذهب اليوم السبت، 28 يونيو 2026، في...

جنوب أفريقيا على بعد خطوة من تحقيق إنجاز في كأس العالم

يسعى منتخب جنوب أفريقيا الى التأهل إلى دور الـ16...

اعتقالات تطال سياسيين ونوابًا في بغداد ضمن حملة عراقية موسعة لمكافحة الفساد

في لحظة فارقة قد تغير قواعد اللعبة السياسية في العراق، شهدت بغداد فجر الأحد انطلاق واحدة من أكثر العمليات الأمنية والقضائية جرأة منذ عام 2003، حيث نفذت قوات النخبة مداهمات نوعية طالت منازل شخصيات سياسية ونواب حاليين وسابقين ووزراء، في مشهد يعكس إصرارًا غير مسبوق على تفكيك شبكات الفساد التي استنزفت مقدرات الدولة لسنوات طويلة.

لم تكن العملية مجرد إجراء روتيني، بل جاءت تتويجًا لجهود استخباراتية مكثفة واعترافات أدلى بها متورطون سابقون، لتضع السلطات العراقية أمام اختبار تاريخي يتجاوز مجرد الاعتقالات إلى إثبات قدرة الدولة على استرداد المليارات المنهوبة، وسط ترقب شعبي يراقب ما إذا كانت هذه الحملة ستضع حدًا نهائيًا لسياسة الإفلات من العقاب التي طالما ارتبطت بالطبقة السياسية.

مداهمات نوعية: تكتيكات أمنية لملاحقة “المحصنين”

حيث اعتمدت الخطة الأمنية على السرية المطلقة والتنفيذ المتزامن، حيث طوقت قوات جهاز مكافحة الإرهاب والقوات الخاصة التابعة لرئاسة الحكومة منازل المطلوبين في أحياء بغداد المحصنة؛ مما أدى إلى اعتقال أكثر من خمسة عشر شخصية من العيار الثقيل، بينهم وكلاء وزارات وشخصيات نافذة، مع استمرار ملاحقة آخرين فروا قبل وصول القوات المداهمة.

الفساد في العراق: تقارير أممية ودولية ترسم صورة قاتمة

وتأتي هذه الحملة كاستجابة لضغوط متزايدة بعد أن كشفت تقارير هيئة النزاهة الاتحادية عن فجوات مالية ضخمة، وبالتوازي مع تقارير دولية تدق ناقوس الخطر.

حيث أشارت منظمة الشفافية الدولية في مؤشرها الأخير لعام 2025 إلى تراجع تصنيف العراق في ملفات النزاهة، مؤكدة أن الفساد الإداري ما يزال يشكل العائق الأول أمام أي تنمية مستدامة.

بالإضافة إلى ذلك، أشارت “لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن أوضاع العراق” التابعة للأمم المتحدة، في تحديثاتها الدورية لعامي 2025 و2026، إلى أن ضعف المؤسسات الرقابية أدى إلى ضياع استثمارات بمليارات الدولارات كان يمكن أن تنقذ قطاعات الصحة والخدمات، مما يجعل من إجراءات الحكومة الحالية “ضرورة وجودية” لا خيارًا سياسيًا.

الرهان على العدالة: هل نرى محاكمات شفافة؟

وتستند التعهدات الحكومية الحالية إلى دعم سياسي متزايد، ولكن الاختبار الحقيقي يظل في “استقلالية القضاء”؛ حيث تشدد التقارير الدولية على أن أي تسويات سياسية لهذه الملفات ستؤدي إلى انتكاسة جديدة، بينما سيعزز المضي قدمًا في محاسبة “كبار الفاسدين” من سيادة القانون ويؤسس لمرحلة جديدة تعيد للجمهور العراقي ثقته في مؤسساته الرسمية.

دعم أوروبي دولي لمسار النزاهة واسترداد الأصول المنهوبة
وأكد سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق، كليمنس سيمتنر، أن ملف مكافحة الفساد في العراق يحظى بدعم دولي رفيع المستوى، مشددًا على أن الاتحاد الأوروبي يضع كافة إمكانياته الفنية والتشريعية لمساندة بغداد في استرداد الأموال والأصول العامة المنهوبة وتعزيز ركائز سيادة القانون.

وفي كلمة له خلال إطلاق تقرير برنامج متابعة المحاكمات، ثمن سيمتنر التزام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بهذا الملف الحيوي، مؤكدًا أن التقرير يأتي في “وقت حاسم” يتقاطع مع تأكيدات رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بأن محاربة الفساد تتصدر أولويات الحكومة، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة لبيئة استثمارية محفزة تدعم النمو الاقتصادي المستدام.

وأوضح السفير، أن الدعم الأوروبي يتجاوز مجرد مراقبة المحاكمات ليشمل التطوير التشريعي، وفض النزاعات التجارية، وتعزيز العدالة البيئية، مع التركيز على أن العدالة في قضايا الفساد الكبرى لا تُقاس بالإدانات الجنائية وحدها، بل بمدى نجاح الدولة في تتبع الأصول وتأمينها وتنفيذ التعويضات المالية، بما في ذلك التعاون في القضايا العابرة للحدود لضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب، مشددًا على أن الإدارة الرشيدة والمؤسسات ذات المصداقية هي الضمانة الوحيدة لبناء ثقة المواطنين وتحقيق التنمية التي يتطلع إليها الشعب العراقي.

نحو مسار مؤسسي دائم لا ظرفي

إن تحويل ملفات الفساد من مجرد “ورقة ضغط سياسي” إلى “قضية جنائية مؤسسية” هو الهدف الأسمى الذي يطمح إليه المواطن العراقي.

حيث تشير البيانات المالية إلى أن تفكيك شبكات الفساد قد يوفر للدولة ميزانيات ضخمة تعطلت لسنوات، وهو ما يتطلب تعاونًا دوليًا لاسترداد الأموال المهربة إلى الخارج، وهو المسار الذي بدأت بغداد بالفعل في تفعيله عبر مخاطبة الجهات الدولية المختصة.

وتبقى الأنظار متجهة نحو أروقة القضاء العراقي، حيث يرى الخبراء أن هذه المداهمات هي “الشرارة الأولى” لمعركة طويلة ضد الفساد الممنهج، وأن نجاحها مرهون بفك الارتباط بين الحصانة السياسية والمساءلة القانونية، مما سيجعل من بغداد نموذجًا قادرًا على تجاوز عثرات الماضي وبناء دولة تقوم على مبادئ الشفافية والمساءلة بعيدًا عن أهواء النفوذ.