ذات صلة

جمع

مستقبل غزة في قبرص.. هل ينجح “مجلس السلام” في إنهاء حقبة حماس؟

تتجه الأنظار نحو قبرص يوم 30 يونيو، حيث من المقرر أن ينعقد اجتماع “مجلس السلام” المعني بإعادة إعمار غزة، في خطوة تمثل “إعادة ضبط” استراتيجية للمشهد بعد ستة أشهر من الاضطرابات الدامية.

هذا الاجتماع ليس مجرد لقاء عابر، بل هو محاولة دولية جادة لاستبدال قبضة حماس التي جرّت القطاع إلى دمار غير مسبوق، بلجنة تكنوقراط فلسطينية تسعى لإدارة شؤون غزة بعيدًا عن الأجندات المسلحة التي أثبتت فشلها الذريع في حماية المدنيين.

لقد كشفت تقارير صادرة عن موقع “بوليتيكو” و”تايمز أوف إسرائيل”، أن الاجتماع يهدف إلى مراجعة العلاقات وتوحيد الرؤى الدولية لإنهاء حقبة حماس، حيث تتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة زمام المبادرة لاستلام المهام الإدارية، بهدف تحويل القطاع من ساحة للصراعات الأيديولوجية إلى كيان إداري يركز على إعادة الإعمار، وتوفير الحياة الكريمة لسكان غزة الذين دفعوا ثمنًا باهظًا نتيجة مغامرات حماس العسكرية.

التكلفة الإنسانية: حين تحولت غزة إلى ركام بسبب هجوم 7 أكتوبر

ولا يمكن الحديث عن مستقبل غزة دون استحضار الحقائق الدامغة التي وثقتها التقارير الأممية والدولية، ففي 7 أكتوبر 2023، شنت حماس هجومًا أدى إلى مقتل 1200 شخص واحتجاز 251 رهينة، وهو الهجوم الذي وصفته “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها الصادر في نوفمبر 2023 بأنه “جريمة حرب وانتهاك صارخ للقانون الدولي”، هذا الفعل الفردي من حماس فتح أبواب الجحيم على سكان القطاع، حيث سجلت وزارة الصحة الفلسطينية في بياناتها الموثقة مقتل أكثر من 75 ألف فلسطيني، وتدمير 90% من البنية التحتية، وفقًا لتقارير “الأونروا” في مايو 2026.

وتؤكد تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان “OHCHR”، أن حماس استخدمت البنية التحتية المدنية والمدارس والمستشفيات كدروع بشرية؛ مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتشريد 90% من السكان، وإن هذا الدمار لم يكن قدرًا، بل كان نتيجة مباشرة لسياسات حماس التي فضلت التمسك بالحكم على حساب أرواح سكان غزة، وهي الحقائق التي سيناقشها “مجلس السلام” في قبرص لبحث كيفية تجاوز هذا الإرث المأساوي.

استراتيجية “إعادة الضبط”: التكنوقراط بديل حماس الإداري

ويركز اجتماع قبرص على تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة مكونة من تكنوقراط فلسطينيين مستقلين، لتكون البديل الإداري عن سلطة حماس، وتهدف هذه اللجنة، وفقًا لتصريحات مسؤولين في الاتحاد الأوروبي لـ “بوليتيكو”، إلى تنسيق العمل مع “مجلس السلام” لإدارة المساعدات الدولية وإعادة الإعمار، حيث إن المجتمع الدولي بات يرفض التعامل مع أي جهة تتبنى العنف كمنهج، مفضلاً التعامل مع تكنوقراط يضعون مصلحة المواطن الغزي فوق المصالح التنظيمية.

ويُعد اجتماع قبرص فرصة للجان التنفيذية لمراجعة الالتزامات الدولية والمحلية، حيث شدد دبلوماسيون دوليون في تصريحات موثقة لـ “تايمز أوف إسرائيل” على أن “الوضع الراهن لا يمكن استمراره”.

فبينما كانت حماس تستنزف الموارد لبناء أنفاقها، كان السكان يعانون من نقص حاد في الغذاء والدواء، لذا يأتي التحرك الدولي الحالي كضرورة لوضع حد لتغول حماس وإعادة غزة إلى مسار الاستقرار الإداري والمؤسساتي.

تحديات ما بعد الـ 30 يونيو: آفاق الإعمار والسيادة

وتواجه اللجنة التكنوقراطية تحديات هائلة، فإعادة إعمار القطاع الذي دمرته حماس تتطلب مليارات الدولارات، وقد أشارت تقارير البنك الدولي الصادرة في فبراير 2026 إلى أن “إعادة إعمار غزة ستستغرق عقودًا في ظل استمرار سيطرة العناصر المتشددة”، لذا فإن اجتماع قبرص يركز بشكل أساسي على كيفية ضمان وصول المساعدات لمستحقيها بعيدًا عن أيدي عناصر حماس التي كانت تعيد توجيه الموارد لصالح أنشطتها العسكرية، وهو أمر وثقته تقارير “المجموعة الدولية للأزمات” (ICG) في أبريل 2026.

استهداف الأطفال في غزة يتجاوز معايير النزاع المسلح

كما وثقت “لجنة التحقيق الدولية المستقلة” التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، في تقريرها الصادر بتاريخ 24 يونيو 2026، انتهاكات جسيمة طالت الأطفال في غزة.

وأشار التقرير إلى أن الأطفال مثلوا نحو 30% من إجمالي الضحايا الفلسطينيين خلال الفترة من أكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2025، حيث تجاوز عدد الشهداء الأطفال حاجز الـ 20 ألفاً، فضلاً عن آلاف المفقودين تحت الأنقاض.

وأكد سرينيفاسان موراليدهار، رئيس اللجنة، أن حجم الخسائر البشرية بين الأطفال يعد “غير مسبوق” عالميًا في تاريخ النزاعات الحديثة، مشددًا على أن هذه المعطيات ترقى إلى جرائم حرب وأعمال إبادة جماعية.

كما استندت اللجنة في استنتاجاتها الدامغة إلى شهادات ميدانية موثقة، وصور أقمار صناعية عالية الدقة، وتقارير تحليلية لوكالات دولية، والتي أكدت جميعها استمرار استهداف المدنيين رغم مطالبات المجتمع الدولي بحماية الطفولة وفقًا للقانون الدولي الإنساني.

غزة نحو مستقبل بلا إيديولوجيا مسلحة

ويمثل اجتماع نهاية يونيو في قبرص بارقة أمل لأهالي غزة، الذين باتوا يدركون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن مغامرات حماس لم تجلب لهم سوى الخراب والتهجير، فالمطالبة بإنهاء هذه الحقبة لم تعد مطلبًا دوليًا فحسب، بل أصبحت ضرورة شعبية ملحة، فالجميع يتطلع إلى إدارة كفؤة، شفافة، وبعيدة عن لغة السلاح، تضع نصب أعينها بناء المدارس والمستشفيات بدلاً من الأنفاق والخنادق التي أودت بحياة عشرات الآلاف.

وستبقى الأنظار متجهة إلى قرارات هذا المجلس، ومدى قدرته على فرض واقع جديد، حيث إن العالم أجمع أدرك أن أمن الشرق الأوسط يبدأ من غزة مستقرة، تدار بأيدي أبنائها المخلصين الذين يرفضون التطرف، مما يجعل من اجتماع قبرص الخطوة الأولى في طريق طويل ومضنٍ نحو إعادة بناء غزة على أسس ديمقراطية ومؤسساتية تكفل كرامة الإنسان وتنهي حقبة الفوضى التي فرضتها حماس، لتبدأ أخيرًا رحلة التعافي والبناء التي طال انتظارها.