ذات صلة

جمع

من طرابلس إلى بنغازي: رحلة معاناة المواطن بين تذبذب الأسعار وفوضى السيولة

لا تزال الأزمة الاقتصادية في ليبيا تمثل المعضلة الأكثر...

حرب الأفكار.. لماذا يخشى الإخوان الباحثين الفرنسيين المتخصصين في كشفهم؟

في انتصار مدوٍ لحرية التعبير والبحث العلمي، أصدرت محكمة...

فرنسا ضد السنغال.. مواجهة قوية تخطف الأنظار في كأس العالم 2026

تتجه الأنظار اليوم إلى واحدة من أقوى مباريات دور...

من طرابلس إلى بنغازي: رحلة معاناة المواطن بين تذبذب الأسعار وفوضى السيولة

لا تزال الأزمة الاقتصادية في ليبيا تمثل المعضلة الأكثر تعقيداً التي تواجه المواطن البسيط، إذ يتجاوز الأمر مجرد تقلبات في أسعار الصرف، ليصل إلى كونه صراعًا وجوديًا بين مؤسسات الدولة المنهكة وطموحات الميليشيات المسلحة التي تقتات على الفوضى.

إن المضاربة بالعملة الصعبة ليست مجرد ظاهرة مالية عابرة، بل هي “جرح مفتوح” يستنزف مقدرات البلاد ويجعل من الدينار الليبي رهينة في أيدي شبكات من المضاربين المرتبطين بقوى مسلحة لا ترغب في رؤية استقرار المؤسسات النقدية، لأن بقاءها مرتبط ببقاء حالة “السيولة المفقودة” والأسواق الموازية التي تتيح لها غسل أموال النزاعات وتمويل أجنداتها الخاصة.

هيمنة الميليشيات: اقتصاد الظل يعطل الدولة

تفرض الميليشيات المسلحة سيطرة صارمة على مفاصل الاقتصاد الليبي، ليس فقط من خلال السيطرة على الحقول النفطية والمنافذ الحدودية، بل عبر تدخلها المباشر في السياسات المصرفية. إن الانقسام المؤسسي الذي تعيشه ليبيا وفر بيئة خصبة لهذه الجماعات لتفرض نفوذها على المصارف التجارية، حيث يتم توجيه الاعتمادات المستندية لصالح شركات وهمية تابعة لأمراء الحرب.

هذا التحالف غير المقدس بين بعض أطراف النفوذ السياسي والميليشيات المسلحة أدى إلى تعطيل دور المصرف المركزي، وجعله ساحة لتصفية الحسابات السياسية، مما خلق فجوة هائلة بين السعر الرسمي للدينار وسعره في السوق الموازية، وهو ما يصب في نهاية المطاف في جيوب قادة الميليشيات.

الهجمات السيبرانية.. سلاح جديد لترويع الاقتصاد

لم يعد التهديد الذي يواجه الاقتصاد الليبي مقتصرًا على السلاح التقليدي، بل امتد ليشمل الحروب السيبرانية التي تستهدف شل المؤسسات الحيوية. إن الهجوم الإلكتروني الأخير على منظومات مصرف ليبيا المركزي ليس حادثًا معزولًا، بل هو مؤشر خطير على رغبة أطراف داخلية وخارجية في تعميق الأزمة المالية.

عندما تتعطل منظومات حجز العملة الأجنبية أو تضطرب حركة السيولة، فإن المتضرر الأول هو المواطن الذي يجد نفسه عاجزاً عن الحصول على احتياجاته الأساسية، بينما يستغل المضاربون حالة الارتباك هذه لرفع أسعار العملة الصعبة في السوق السوداء. إن حماية البنية التحتية الرقمية للمؤسسات النقدية الليبية أصبحت اليوم مسألة أمن قومي لا تقبل التأجيل.

معاناة المواطن: طوابير الذل مقابل الفتات

في الوقت الذي يراكم فيه قادة الميليشيات ثروات طائلة من خلال المضاربة، يقف المواطن الليبي في طوابير طويلة أمام المصارف بحثًا عن سيولة نقدية أو محاولة للحصول على مخصصات العملة الصعبة للأغراض الشخصية. هذه الصورة القاتمة تعكس فشل النخب في تقديم حلول جذرية للأزمات الهيكلية.

إن استمرار الفوضى النقدية يعني المزيد من التضخم، وتآكل القدرة الشرائية للأسرة الليبية، واتساع رقعة الفقر وإن المواطن الليبي بات يدرك أن كلما تحسنت إجراءات المصرف المركزي، كلما زادت وتيرة التخريب التي تمارسها أطراف النفوذ لعرقلة هذا التحسن، مما يعني أن استقرار الاقتصاد الليبي مرهون بإنهاء حالة الانفلات الأمني وسيطرة السلاح على القرار.

هل من أمل في الإصلاح النقدي؟

على الرغم من التحديات الجسيمة، يظل هناك بصيص من الأمل من خلال الخطوات التي يتخذها المصرف المركزي في محاولة لضبط السيولة وضخ مبيعات قياسية من النقد الأجنبي، وهو ما أدى مؤخرًا إلى تراجع نسبي في أسعار السوق الموازية.

لكن الإصلاح النقدي وحده لا يكفي؛ فالاقتصاد الليبي يحتاج إلى استراتيجية وطنية شاملة تتضمن تفكيك الميليشيات، وإخضاع جميع المنافذ الاقتصادية لسلطة الدولة الموحدة، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية لمحاسبة المضاربين الذين يعبثون بقوت الليبيين. إن مستقبل ليبيا المالي مرهون بمدى قدرة الدولة على استعادة هيبتها وفرض سيادة القانون في كل شبر من أراضيها، فبدون أمن لا يمكن أن يكون هناك استقرار اقتصادي حقيقي.

التحدي الكبير: مواجهة قوى الانقسام

تدرك القوى السياسية والوطنية في ليبيا أن إنهاء هيمنة الميليشيات على الاقتصاد هو مفتاح الحل لكل الأزمات الأخرى وإن التحدي يكمن في كيفية حماية المؤسسات النقدية من الاختراق والتدخلات التي تهدف إلى إفشال أي محاولة لإعادة بناء الدولة.

إن الشفافية في إدارة موارد النفط، والعدالة في توزيع الثروة، وضمان استقلالية القرار الاقتصادي بعيداً عن ضغوط أمراء الحرب، هي الخطوات الأساسية لاستعادة عافية الدينار الليبي وإن رحلة الألف ميل نحو ليبيا مستقرة تبدأ بقطع الطريق على المضاربين، وبناء نظام مصرفي وطني يعمل لخدمة المواطن، لا لخدمة طموحات الجماعات التي لا تعرف للوطن ولا للمواطن قيمة.