ذات صلة

جمع

شروط جديدة لإيران في مونديال 2026 ضمن مجموعة مصر

أعاد رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم مهدي تاج فتح...

“هل ينتقل محمد صلاح إلى الدوري الأمريكي؟”.. عرض ضخم بعد كأس العالم 2026

تتجه الأنظار مجددًا إلى مستقبل النجم المصري محمد صلاح،...

بين أمان برلين ومجهول دمشق.. لماذا يرفض سوريّو ألمانيا العودة؟

بينما تضج التقارير الدولية الصادرة في مطلع عام 2026...

كيف يمول الإخوان مشاريع “العزل المجتمعي” في أوروبا من جيوب المستهلكين؟

خلف واجهات المراكز الإسلامية البراقة وشبكات المطاعم التي تملأ...

مأزق الهوية الوطنية.. كيف يمزق النفوذ المسلح النسيج الاجتماعي العراقي؟

يقف العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث لم تعد التهديدات التي تواجه الدولة مقتصرة على التدخلات الخارجية الجلية، بل بات الخطر الأكبر ينبع من الداخل، وتحديدًا من تضخم نفوذ الفصائل المسلحة التي أصبحت تشكل “دولة داخل الدولة”.

إن قضية الهوية الوطنية العراقية، التي عانت طويلاً من الندوب، تتعرض الآن لعملية تمزيق ممنهجة بفعل الولاءات العابرة للحدود التي تفرضها هذه الفصائل بقوة السلاح والترهيب.

وبينما يحلم المواطن العراقي البسيط بدولة يسودها القانون وتُحترم فيها المواطنة، يجد نفسه محاصرًا في شرنقة من الانتماءات الفرعية التي تغذيها “ديمقراطية البنادق”.

تآكل مفهوم الدولة.. السلاح المنفلت كبديل عن العقد الاجتماعي

إن أولى ضحايا النفوذ المسلح في العراق هو مفهوم “الدولة” ذات السيادة؛ فحينما تتعدد مراكز القرار العسكري وتصبح الفصائل قادرة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم بمعزل عن القائد العام للقوات المسلحة، يبدأ العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة في التحلل.

هذا الانفلات لا يقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد ليشمل كافة مفاصل الحياة اليومية، حيث يرى الشاب العراقي أن الانتماء للفصيل يوفر له الحماية والوظيفة والنفوذ الذي تعجز الدولة عن توفيره وبذلك، يتم استبدال الهوية الوطنية الجامعة بهويات فصائلية ضيقة؛ مما يؤدي إلى تآكل الثقة بالمؤسسات العسكرية الرسمية ويجعل من “الزي العسكري” نفسه محل انقسام، بدلاً من أن يكون رمزًا للوحدة الوطنية، وهو ما يخدم في النهاية أجندات قوى تسعى لإبقاء العراق في حالة من الضعف الدائم والتبعية المستمرة لمراكز القوى الإقليمية.

عسكرة المجتمع.. كيف تتغلغل أيديولوجيا السلاح في وعي الجيل الجديد؟

لا يكتفي النفوذ المسلح بالسيطرة على الأرض والقرار السياسي، بل يسعى وبقوة للتغلغل في النسيج الثقافي والاجتماعي عبر عملية “عسكرة” ممنهجة للمجتمع. فمن خلال المهرجانات المسلحة، والمخيمات الصيفية للشباب، والماكينات الإعلامية الضخمة، يتم ترويج فكر يقدس السلاح خارج إطار الدولة ويعلي من شأن الولاء للفرد أو الجماعة على حساب الوطن هذا التغلغل أدى إلى نشوء جيل يرى في القوة المسلحة وسيلة وحيدة لتحصيل الحقوق، مما يضرب قيم الحوار والمدنية في مقتل.

إن تمزيق النسيج الاجتماعي يبدأ من المدرسة والشارع، حيث يتم تصنيف العراقيين وفقًا لمدى قربهم أو بعدهم من مراكز القوى المسلحة، وهو ما يخلق “طبقية أمنية” تهدد السلم الأهلي وتجعل من فكرة “المواطنة المتساوية” مجرد شعار أجوف لا يمت للواقع بصلة في ظل سطوة الكلاشينكوف.

صراع الهوية والولاء.. العراق في مهب الأجندات العابرة للحدود

يرتبط مأزق الهوية الوطنية في العراق بشكل وثيق بارتباط العديد من الفصائل المسلحة بأجندات إقليمية تجعل من مصلحة الخارج مقدمة على مصلحة الداخل العراقي.

هذا التداخل جعل من الساحة العراقية “بريدًا للرسائل الدامية” بين القوى الكبرى والإقليمية، حيث تُنفذ عمليات قصف واستهداف ببنادق محلية لخدمة أهداف لا علاقة للعراقيين بها، هذا الارتباط العضوي بالخارج يمزق الهوية الوطنية من خلال طرح مفاهيم “الأممية المذهبية” كبديل عن “الوطنية العراقية”، مما يضع المواطن في حيرة بين انتمائه لأرضه وبين ولائه لمرجعيات أو قيادات خارج الحدود.

إن هذا الانقسام العمودي في الولاء هو الأخطر على مستقبل العراق، لأنه يحول أي خلاف سياسي داخلي إلى صراع وجودي مرتبط بمحاور دولية، مما يجعل الحلول الوطنية مستحيلة في ظل وجود السلاح الذي يتحرك بإشارات خارجية.

اقتصاد الفصائل.. كيف يمول السلاح مشاريع التفتيت المجتمعي؟

خلف الشعارات الأيديولوجية الكبرى، تكمن إمبراطورية مالية ضخمة تابعة لهذه الفصائل، تعتمد على السيطرة على المعابر الحدودية، وابتزاز القطاع الخاص، والمشاركة في مشاريع العقارات والمقاولات الحكومية تحت غطاء القوة، هذه “الأموال السوداء” هي المحرك الحقيقي لاستمرار مشروع الانفصال المجتمعي؛ فبواسطتها يتم تمويل شبكات المحسوبية التي تعمق الفجوة بين طبقات المجتمع العراقي.

فالمواطن الذي لا يملك “ظهيرًا مسلحًا” يجد نفسه مقصيًا من الفرص الاقتصادية، مما يدفعه إما للرحيل أو للانخراط قسراً في هذه المنظومة لضمان العيش.

إن اقتصاد السلاح يخلق مجتمعًا موازيًا يمتلك مصارفه وشركاته وقوانينه الخاصة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تحويل الدولة إلى “هيكل كرتوني” فارغ من المضمون، بينما تتركز السلطة والثروة في يد قادة الفصائل الذين لا يرون في العراق سوى “غنيمة” يجب اقتسامها.