عاد ملف التجنيد الإلزامي في العراق ليتصدر واجهة النقاشات السياسية والشعبية، بعد دعوات حثيثة داخل أروقة مجلس النواب لإقرار قانون “خدمة العلم” المتعطل منذ عقود.
هذه الخطوة، التي يراها البعض ضرورة ملحة لاستعادة هيبة الدولة وتوحيد الهوية الوطنية، أثارت في الوقت ذاته موجة عارمة من الجدل والمخاوف لدى شرائح واسعة من المجتمع العراقي.
وقالت مصادر: إن الحديث عن إعادة الشباب إلى الثكنات العسكرية لا يقتصر على كونه إجراءً تنظيميًا للمؤسسة الدفاعية، بل هو قرار يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها العراق، من سطوة الفصائل المسلحة إلى أزمات البطالة الخانقة والفساد المستشري، مما يجعل من التساؤل حول قدرة العراق على تحمل كلفة هذا القرار سياسيًا تساؤلاً جوهريًا ومصيريًا.
بناء الهوية الوطنية مقابل مخاوف “العسكرة” الممنهجة
يرتكز المدافعون عن مشروع التجنيد الإلزامي على فرضية مفادها أن الخدمة العسكرية تمثل “بوتقة صهر” وطنية قادرة على تذويب الفوارق الطائفية والمناطقية التي عصفت بالبلاد لسنوات.
ويرى هذا الفريق أن انخراط الشباب من مختلف المكونات في بيئة عسكرية موحدة سيعزز من قيم الانتماء للدولة ويقلل من الولاءات الفرعية المذهبية أو القبلية.
في المقابل، تبرز مخاوف جدية لدى الرافضين الذين يفسرون هذا التحرك كعودة إلى “عسكرة المجتمع” واستنساخًا لسياسات النظام السابق التي استنزفت طاقات الشباب في حروب عبثية.
وأكدت المصادر، أن الخشية من تحول التجنيد إلى أداة لقمع الحريات أو استغلال الشباب في صراعات سياسية داخلية أو إقليمية تجعل من قبول الشارع العراقي لهذا القانون أمرًا محفوفًا بالشكوك والرفض المسبق.
التحدي الاقتصادي: كلفة التجهيز وأزمة سوق العمل
لا يمكن فصل النقاش السياسي حول التجنيد الإلزامي عن الواقع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه العراق. ففي ظل معدلات بطالة مرتفعة بين الخريجين ومحدودية فرص العمل في القطاعين العام والخاص، يرى الكثير من الشباب أن فرض الخدمة العسكرية هو “ضريبة إضافية” تقتطع سنوات ثمينة من أعمارهم دون مقابل مهني حقيقي.
ومن الناحية المالية، يطرح خبراء الاقتصاد تساؤلات مشروعة حول قدرة الموازنة العراقية، المرهونة بتقلبات أسعار النفط، على تحمل أعباء تدريب وإعالة مئات الآلاف من المجندين سنويًا.
إن بناء بنية تحتية عسكرية تضم ثكنات ومراكز تدريب وتجهيزات لوجستية حديثة يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، وهي مبالغ يرى المعارضون أن الأولوية يجب أن تذهب لتحسين الخدمات العامة وتنشيط الاستثمار وتوفير وظائف حقيقية للشباب بدلاً من “عسكرتهم” قسريًا.
السيادة وهيبة الدولة: هل ينهي التجنيد سطوة المليشيات؟
من الناحية الأمنية، يرى مؤيدو القانون أن التجنيد الإلزامي سيوفر خزينًا بشريًا مدربًا يدعم الجيش العراقي ويعزز من قدراته الدفاعية في مواجهة التهديدات الإرهابية المستمرة، والأهم من ذلك، يرى البعض أن بناء جيش وطني قوي قائم على التجنيد العام قد يساهم مستقبلاً في إضعاف حجة وجود الفصائل والمليشيات المسلحة، عبر حصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية الرسمية وتعزيز هيبة الدولة، إلا أن هذا الطرح يواجه واقعًا سياسيًا معقدًا، حيث تتداخل المصالح الحزبية مع مراكز القوى المسلحة، مما يثير تساؤلات حول مدى جدية القوى السياسية في بناء جيش مهني بعيد عن المحاصصة.
وأشارت المصادر، أنه بدون إصلاح جذري للمنظومة الأمنية وضمان استقلال القرار العسكري، قد يتحول المجندون الإلزاميون إلى مجرد أرقام إضافية في مؤسسة تعاني أصلاً من تضخم الرتب وضعف التجهيز التقني الحديث.
الشباب العراقي والبحث عن بدائل الكفاءة والتكنولوجيا
في عصر الحروب الذكية والجيوش التكنولوجية، يطالب الرافضون للتجنيد الإلزامي بالتركيز على بناء “جيش نوعي” يعتمد على الكفاءة والتخصص العالي بدلاً من “جيش كمي” يعتمد على الأعداد الكبيرة غير المدربة تقنيًا.
إن التوجه العالمي نحو تقليص الجيوش التقليدية لصالح وحدات نخبوية وقدرات سيبرانية وطائرات مسيرة يجعل من فكرة التجنيد الإلزامي التقليدية فكرة قديمة لا تتناسب مع متطلبات الأمن في القرن الحادي والعشرين، وبدلاً من إجبار الشباب على الخدمة، يقترح هذا الفريق تحسين شروط التطوع ورفع كفاءة الجنود الحاليين وتزويدهم بأحدث الوسائل الدفاعية، مع توفير برامج تدريبية اختيارية تمنح الشباب مهارات مهنية تفيدهم في حياتهم المدنية، مما يخلق علاقة طوعية وإيجابية بين المواطن والمؤسسة العسكرية.

