تشهد الساحة السودانية فصلاً هو الأكثر دموية وخطورة منذ اندلاع الصراع، حيث كشفت تقارير استخباراتية وحقوقية دولية عن تحول جذري في استراتيجية الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، متمثلاً في الارتهان الكامل للمحور الإيراني للحصول على دعم عسكري جوي يغير موازين القوى الميدانية.
وتحت عنوان “مقايضة الدم بالبقاء”، رصدت الأقمار الصناعية تدفقًا مستمرًا لطائرات الشحن الإيرانية من طراز (قشم فارس إير) إلى مطارات بورتسودان وكسلا، محملة بآلاف المسيرات الانتحارية من طراز “مهاجر-6” و”أبابيل-3″، والتي باتت تُعرف في الشارع السوداني بـ “درونات الموت”.
وقالت مصادر: إن هذا التحالف الذي نشأ في الغرف المغلقة لم يكن مجانيًا، بل دفع ثمنه السودان من سيادته الوطنية وموقعه الاستراتيجي الفريد على البحر الأحمر.
حيث تشير المصادر إلى أن البرهان قدم تسهيلات لوجستية وقواعد عسكرية سرية لعناصر الحرس الثوري الإيراني، مقابل تزويده بالتكنولوجيا العسكرية التي تفتقر إليها قواته، وهو ما أدى إلى إطالة أمد الحرب وإجهاض كافة مبادرات السلام الدولية والإقليمية التي كانت تسعى لوقف نزيف الدماء.
إن الخطورة لا تكمن فقط في نوعية السلاح، بل في الأهداف التي يتم توجيهه إليها، حيث وثقت منظمات حقوقية دولية عشرات الحوادث التي تم فيها استخدام هذه المسيرات الإيرانية لقصف أحياء سكنية مكتظة بالمدنيين في أم درمان، الخرطوم بحري، وقرى ولاية الجزيرة، بدعوى وجود عناصر معادية؛ مما أسفر عن سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، أغلبهم من النساء والأطفال، إن استراتيجية البرهان في استخدام هذه الأسلحة تعتمد على “الإبادة عن بُعد”.
حيث يتم استهداف تجمعات النازحين والأسواق الشعبية وحتى المستشفيات الميدانية، مما يرسخ مفهوم “جرائم الحرب الموثقة” التي تستوجب ملاحقة دولية.
وترى المصادر، أن طهران وجدت في السودان “مختبرًا حيًا” لتطوير مسيراتها واختبار كفاءتها في الأجواء الأفريقية، بينما وجد البرهان في طهران الحليف الذي لا يسأل عن سجلات حقوق الإنسان، بل يقدم الموت في صناديق خشبية مقابل نفوذ جيو-سياسي يهدد أمن المنطقة بأسرها.
مطامع طهران
لم تكن إيران لتقدم هذا الدعم السخي لولا وجود “جائزة كبرى” تنتظرها على سواحل البحر الأحمر، فالأطماع الإيرانية في السودان تتجاوز مجرد دعم حليف عسكري، بل تمتد لتشمل السيطرة على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
وتشير التقارير إلى أن البرهان وافق على منح إيران “موطئ قدم” في ميناء بورتسودان الاستراتيجي، وهو ما يتيح للحرس الثوري مراقبة السفن التجارية وتهديد مصالح القوى الكبرى في المنطقة، تمامًا كما تفعل عبر وكلائها الحوثيين في اليمن، إن هذا التواجد الإيراني في السودان يمثل طعنة في خاصرة الأمن القومي العربي والمصري تحديداً.
حيث تحاول طهران تطويق المنطقة من الشمال والجنوب عبر بوابة البحر الأحمر، إن المقابل الذي قدمه البرهان هو “السيادة الوطنية” التي باتت معروضة للبيع في مزاد البقاء السياسي، وهو ما يفسر الصمت المريب للنظام في بورتسودان تجاه الانتهاكات الإيرانية الصارخة للخصوصية السودانية، وتحول بعض القواعد العسكرية إلى غرف عمليات يديرها خبراء إيرانيون بملابس مدنية، يشرفون على توجيه الدرونات واختيار بنك الأهداف الذي يشمل تدمير البنية التحتية والمرافق الحيوية.
وبالإضافة إلى المزايا الجغرافية، اشترطت طهران لإتمام هذه الصفقات إعادة تمكين عناصر النظام البائد (الإخوان المسلمين) و”كتائب الظل” في مفاصل الدولة والجيش، وهو ما نفذه البرهان حرفيًا عبر تعيين قيادات أيديولوجية متطرفة في مناصب حساسة، مما حول الحرب من صراع على السلطة إلى “حرب دينية” بصبغة طائفية غريبة على المجتمع السوداني.
إن إعادة تدوير الفلول تحت الحماية الإيرانية يضمن لطهران وجود “وكيل” مخلص في قلب أفريقيا، يتبنى خطاباً عدائياً ضد الجيران والمجتمع الدولي، ويحول السودان إلى منصة لتصدير التطرف وعدم الاستقرار، هذا التحالف الأيديولوجي-العسكري أدى إلى عزل السودان دوليًا وفرض عقوبات مشددة، يدفع ثمنها المواطن البسيط الذي يعاني من انهيار العملة والمجاعة الطاحنة، بينما ينعم قادة الجيش والفلول بحماية المسيرات الإيرانية التي تحرس قصورهم المشيدة فوق جماجم الأبرياء.
الأرض المحروقة
تعتمد العمليات العسكرية للجيش السوداني حاليًا، بإشراف وتدريب إيراني، استراتيجية “الأرض المحروقة”، وهي سياسة تهدف إلى تدمير كل ما يمكن أن يستفيد منه الطرف الآخر، حتى لو كان ذلك على حساب حياة ملايين المواطنين، لقد تم استخدام درونات الموت الإيرانية في قصف محطات الكهرباء، خزانات المياه، والمخازن الاستراتيجية للغذاء في ولاية الجزيرة التي تعتبر سلة غذاء السودان، مما تسبب في حدوث مجاعة شاملة في عام 2026 لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلاً.
إن توثيق هذه الجرائم يثبت تعمد النظام في بورتسودان تجويع الشعب لتركيعه، مستغلاً دقة المسيرات الإيرانية في إصابة الأهداف الحيوية لإخراجها عن الخدمة، وإن العالم اليوم أمام مأساة إنسانية كبرى يقودها تحالف “البرهان-طهران”، حيث تحولت الطموحات الشخصية لجنرال مهزوم إلى أداة تدمير شامل لوطن كان يُعرف يومًا بأنه أرض النيل والخير، وتبقى دماء السودانيين شاهدة على خيانة العهد وبيع الوطن في سوق النخاسة الإقليمي مقابل “خردة عسكرية” لا تجيد سوى قتل العزل وتدمير الديار.
إن هذه الفظائع التي ارتكبها جيش البرهان باستخدام السلاح الإيراني لا تسقط بالتقادم، وهي مسجلة في ذاكرة الشعب السوداني الذي يرى طائراته تقتله بدلاً من حمايته، وإن استمرار هذا التحالف يعني بالضرورة استمرار الموت والنزوح، ويهدد بتحويل السودان إلى “سوريا جديدة” في قلب أفريقيا.
حيث تتداخل المصالح الدولية فوق أنقاض الدولة السودانية، إن ملاحقة البرهان وقادة جيشه أمام المحاكم الدولية باتت مطلبًا ملحًا لوقف هذه المحرقة، وفضح الدور الإيراني التخريبي الذي لا يدخل بلدًا إلا ويتركها ركامًا، وإن صمود الشعب السوداني أمام آلة القمع الإيرانية-البرهانية هو الرهان الوحيد المتبقي لاستعادة الدولة من براثن هذا التحالف الشيطاني الذي استباح الأرض والعرض، وقدم السودان قرابين على مذبح الأطماع التوسعية لنظام الملالي، وسط صمت دولي مخجل يجب أن ينتهي بفرض مناطق حظر طيران لحماية المدنيين من درونات الموت التي لا تفرق بين مقاتل وطفل رضيع.

