في لحظة تاريخية فارقة، تزداد الشكوك حول قدرة الغرب على الحفاظ على “وحدة الموقف” تجاه الحرب الأوكرانية، إذ بدأت التصدعات تتسرب إلى أروقة مجموعة السبع، محولةً التحالف الذي وُصف يومًا بأنه لا يتزعزع إلى ساحة من التباينات الاستراتيجية الحادة.
حيث يجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه أمام مهمة شاقة لإعادة صياغة توافق دولي يجمع بين ضرورة الاستمرار في دعم كييف عسكريًا، والحاجة الماسة لفتح نافذة دبلوماسية مع موسكو تمنع انزلاق العالم نحو مواجهة أبدية لا طائل من ورائها.
إن ما نراه اليوم من تذبذب في المواقف الدولية ليس مجرد اختلافات تكتيكية بسيطة، بل هو انعكاس لأزمة عميقة في النظام الدولي، حيث تتآكل الرؤية المشتركة التي سادت بداية الحرب، ليحل محلها تيار من الحذر السياسي والإنهاك الاقتصادي الذي بدأ يضرب أعماق الدول الغربية، مما يطرح تساؤلاً جوهريًا حول ما إذا كانت “الوحدة الغربية” قد تحولت إلى مجرد ذكرى، أو هل يمكن لجهود ماكرون في “إعادة خلق التوافق” أن تصمد أمام الرياح العاتية من المصالح الوطنية المتضاربة والضغوط الداخلية المتزايدة.
تآكل الإجماع: عندما تتقدم المصلحة الوطنية على الاستراتيجية الجماعية
لم تعد مجموعة السبع كتلة متجانسة كما كانت في بواكير الصراع، فقد كشفت الأيام أن لكل دولة أولوياتها السياسية والاقتصادية التي بدأت تفرض نفسها بقوة على طاولة القرار؛ فبينما تدفع دول أوروبية نحو مسار تفاوضي لتخفيف وطأة التكاليف الباهظة للحرب، ما تزال هناك أصوات أخرى تصر على مواصلة الدعم العسكري كخيار وحيد، هذا التباين خلق “فجوات استراتيجية” استغلتها القوى الأخرى لتعزيز مواقعها، وجعلت من تحقيق إجماع على سقف محدد للدعم العسكري أو أهداف واضحة لإنهاء الحرب حلمًا بعيد المنال في ظل غياب رؤية سياسية موحدة.
لقد أدركت العواصم الأوروبية، وبشكل تدريجي، أن طول أمد الحرب دون أفق سياسي يعني استنزافًا اقتصاديًا طويل الأمد، وهو ما ظهر جليًا في مواقف دول بدأت تعلن صراحة عن وقف تسليم الأسلحة من مخزونها العسكري أو تبني نهج أكثر حذرًا تجاه التصعيد، مما يضع فرنسا والولايات المتحدة والدول الأخرى أمام استحقاق صعب يتمثل في كيفية الحفاظ على كييف دون التضحية بالاستقرار الداخلي لكل دولة، وهي معادلة ما تزال أطراف التحالف الغربي تتخبط في محاولة حلها.
ماكرون “وسيط التوازن” بين الالتزام العسكري والدبلوماسية
في محاولة للعب دور القائد الذي يلم شتات الحلفاء، يقود ماكرون مساعٍ حثيثة لتقريب وجهات النظر، معتبرًا أن “إعادة خلق التوافق” هو شرط أساسي ليس فقط لدعم أوكرانيا في الميدان، بل أيضًا لفتح الباب أمام مفاوضات جدية، لكن هذه المهمة تصطدم بواقع مرير: القدرة الفرنسية على فرض هذا التوازن تبقى محدودة في ظل تضارب الأولويات، فكيف يمكن لفرنسا أن توفق بين موقف أمريكي أكثر تذبذبًا ومواقف أوروبية بدأت تتسم بالإنهاك؟ إن ما يفعله ماكرون هو محاولة لترميم جدار يتداعى، وهو تحدٍ يضع هيبة الدبلوماسية الأوروبية على المحك.
إضافة إلى ذلك، يسعى ماكرون إلى تعزيز الدور الأوروبي في صياغة القرار الغربي، محاولاً الاستقلال بمسار يجمع بين القوة العسكرية والدبلوماسية الذكية، إلا أن نجاح هذا المسار يعتمد بشكل كلي على قدرة الدول الأعضاء على إدارة تناقضاتهم؛ فالخلافات اليوم لم تعد تقتصر على كمية الأسلحة المرسلة، بل امتدت لتشمل “فلسفة الحرب” ذاتها، وهو ما يجعل من كل قمة دولية مجرد محاولة جديدة لتأجيل الانفجار الكبير في الخلافات بدلاً من وضع حد لها.
مع مشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في اجتماعات مجموعة السبع، حاولت القوى الغربية إظهار صورة “التضامن”، لكن الواقع خلف الأبواب المغلقة كان أكثر تعقيدًا؛ فالتساؤلات حول مدة الحرب، وكلفة الإعمار، ومدى جدوى المراهنة على خيار الحسم العسكري، أصبحت تهيمن على المشهد، مما يجعل من استمرار الدعم لكييف التزامًا هشًا يتوقف على مدى استقرار الحكومات الغربية نفسها، التي تواجه الآن ضغوطًا شعبية متزايدة لإعادة تقييم كل فلس يُنفق على الحرب بدلاً من الداخل.
إن الحقيقة الصادمة التي يجب أن يواجهها الغرب هي أن الحرب الأوكرانية أصبحت اختبارًا لاقتصادياتهم وتماسكهم الاجتماعي، ومع غياب استراتيجية طويلة المدى تحظى بإجماع دولي واسع، سيظل خطر “التفكك الغربي” قائمًا، مما قد يقود إلى حلول منقوصة أو تسويات مفروضة يرفضها الواقع الميداني؛ لذا فإن ماكرون وغيره من الزعماء لا يواجهون فقط معركة في أوكرانيا، بل يواجهون معركة الحفاظ على هويتهم السياسية كتحالف عالمي موحد، وهو ما يبدو يومًا بعد يوم كهدف يصعب الوصول إليه في عالم تغلب فيه المصالح الضيقة على المبادئ الكبرى.

