لم تولد الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في غرف العمليات العسكرية، بل تشكلت ملامحها الأولى في شوارع المدن الإيرانية، حيث تحولت الضغوط الاقتصادية المتراكمة إلى موجة غضب واسعة، سرعان ما تجاوزت الطابع المعيشي، لتصبح اختبارًا سياسيًا وأمنيًا غير مسبوق للنظام في طهران، هذا التحول الداخلي كان الشرارة التي أعادت إشعال واحدة من أخطر المواجهات المؤجلة في الشرق الأوسط.
الشارع الإيراني كعامل تفجير للأزمة
وعلى مدار سنوات، شكلت العقوبات الدولية عبئًا ثقيلًا على الاقتصاد الإيراني، ومع تصاعد الأزمات المعيشية، بدأت الاحتجاجات تأخذ طابعًا أكثر اتساعًا وحدة.
ولم تعد التحركات محصورة في مطالب اقتصادية، بل ترافقت مع شعارات سياسية، ومواجهات مباشرة، وإجراءات أمنية مشددة، عكست حجم القلق داخل مؤسسات الحكم.
والانقطاع المتكرر للاتصالات والمشاهد العنيفة التي رافقت الاحتجاجات أعطت انطباعًا بأن السيطرة على الداخل باتت أولوية وجودية.
واشنطن تقرأ المشهد من زاوية مختلفة
وبينما انشغلت طهران بمحاولة احتواء الشارع، كانت واشنطن تراقب التطورات بعين استراتيجية، إدارة دونالد ترامب لم تنظر إلى الاضطرابات باعتبارها شأنًا داخليًا بحتًا، بل رأت فيها مؤشر ضعف يمكن البناء عليه لإعادة تفعيل سياسة الضغط الأقصى.
الفارق هذه المرة أن الأدوات لم تقتصر على العقوبات والبيانات السياسية، بل اتجهت نحو رسائل أكثر صراحة في لغة الردع العسكري.
تحول الخطاب من التحذير إلى الاستعراض
ومع تصاعد التوتر، تغيّر الخطاب الأميركي بشكل لافت، لم تعد التحذيرات الدبلوماسية كافية، بل جرى الانتقال إلى إرسال إشارات قوة مباشرة، تعكس استعدادًا عمليًا للتصعيد إذا اقتضت الحاجة.
الحديث عن تحركات عسكرية واسعة لم يكن هدفه إعلان حرب وشيكة، بقدر ما كان رسالة ضغط تهدف إلى رفع كلفة أي تصعيد إيراني داخلي أو خارجي.
القوة الضاربة تدخل المشهد
وبعيدًا عن التصريحات، بدأت ملامح التحرك العسكري تتشكل على الأرض، تشكيل بحري أميركي متكامل شق طريقه نحو المنطقة، يتقدمه مركز قيادة عائم قادر على إدارة عمليات جوية معقدة.
وانضم إلى هذا التشكيل قطع بحرية متعددة المهام، تمتلك قدرات هجومية ودفاعية متقدمة، ما يعكس استعدادًا لسيناريوهات تتجاوز الردع الرمزي.
هذه التحركات لم تأتي من فراغ، بل استندت إلى وجود عسكري أميركي سابق في المنطقة، ما سمح بتعزيز سريع وفعال دون الحاجة إلى حشد طويل الأمد.
الرسالة كانت واضحة بأن واشنطن تريد التفاوض من موقع التفوق، لا من موقع الاحتواء التقليدي.
طهران بين ضبط الداخل ومنع الانكسار
في المقابل، وجدت إيران نفسها أمام معادلة معقدة. فهي مطالبة بإظهار الصلابة أمام شعبها وحلفائها، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تستنزف قدراتها.
وبسبب ذلك سعت إلى رفع مستوى الجاهزية العسكرية، بالتوازي مع خطاب سياسي يؤكد أن أي ضربة لن تمر دون رد، في محاولة لإعادة التوازن إلى معادلة الردع.

