عاد ملف أفغانستان ليشعل جدلاً سياسيًا بين ضفتي الأطلسي، بعدما رفض البيت الأبيض انتقادات وجهها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن دور قوات حلف شمال الأطلسي خلال الحرب التي قادتها الولايات المتحدة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
السجال يعكس حساسية متجددة في العلاقات الأميركية البريطانية، ويعيد فتح نقاش قديم حول أعباء التحالف وتقاسم المسؤوليات داخل الناتو.
موقف أميركي حازم
البيت الأبيض تعامل مع الانتقادات البريطانية بلهجة دفاعية واضحة، مؤكدًا أن تصريحات ترامب تنطلق من واقع الأرقام وحجم الالتزام الأميركي، واشنطن شددت على أن الولايات المتحدة تحملت العبء الأكبر عسكريًا وماليًا في أفغانستان، معتبرة أن مساهمتها فاقت ما قدمته بقية دول الحلف مجتمعة.
الموقف يعكس استمرار الخطاب الأميركي الذي يطالب الحلفاء بتحمل نصيب أكبر من الكلفة، ليس فقط في أفغانستان، بل في مجمل ملفات الأمن الجماعي.
استياء بريطاني ورد سياسي
في المقابل، عبر كير ستارمر عن امتعاضه من توصيف ترامب لأداء قوات الناتو، واعتبره مسيئًا للجنود الذين خدموا على الأرض ودفعوا ثمنًا باهظًا.
وبالنسبة للحكومة البريطانية، لا يتعلق الأمر بخلاف سياسي عابر، بل بمساس مباشر بسمعة القوات المسلحة وتضحياتها.
هذا الرد يعكس حرص لندن على الدفاع عن سجلها العسكري، خصوصًا في حرب شكّلت واحدة من أطول وأعقد المهمات الخارجية في تاريخها الحديث.
أفغانستان كجرح مفتوح
تصريحات ستارمر أعادت تسليط الضوء على الكلفة البشرية للحرب، حيث فقدت بريطانيا مئات الجنود وأصيب الآلاف بجروح دائمة، هذه الخسائر تجعل أي تقليل من دور القوات البريطانية أمرًا بالغ الحساسية في الداخل السياسي والشعبي.
الحرب في أفغانستان لم تكن مجرد التزام بتحالف دولي، بل تجربة تركت آثارًا عميقة على المؤسسة العسكرية والمجتمع البريطاني.
أرقام وحسابات التحالف
من الناحية الواقعية، لا خلاف على أن الولايات المتحدة كانت الطرف الأكبر حضورًا وتأثيرًا في أفغانستان، سواء من حيث عدد القوات أو حجم الإنفاق، غير أن دولاً أخرى، وعلى رأسها بريطانيا، لعبت أدوارًا محورية في العمليات القتالية وإدارة المناطق الساخنة.
هذا التباين في القراءة يعكس اختلافًا في تعريف “المساهمة”، بين من يقيسها بالأرقام المطلقة، ومن يركز على طبيعة المهام والخسائر.
الناتو تحت ضغط الخطاب السياسي
السجال الحالي يتجاوز أفغانستان ليطال مستقبل العلاقة داخل حلف شمال الأطلسي، فانتقادات ترامب السابقة والمتجددة للحلفاء الأوروبيين تعكس رؤية ترى أن واشنطن تتحمل عبئًا غير متوازن، في المقابل، تخشى العواصم الأوروبية من أن يؤدي هذا الخطاب إلى إضعاف تماسك الحلف في وقت تتصاعد فيه التحديات الأمنية.
والحديث عن مشاركة شخصيات بارزة من العائلة المالكة البريطانية في الحرب، مثل الأمير هاري، يضيف بعدًا رمزيًا للنقاش.
فوجوده في أفغانستان جسد التزامًا سياسيًا ومعنويًا، ويستخدم اليوم للتأكيد على أن المشاركة البريطانية لم تكن شكلية أو هامشية.

