دخلت الساحة اللبنانية نفقًا مظلمًا من التصعيد العسكري الذي أعاد للأذهان سيناريوهات الحرب الشاملة، ومع تزايد وتيرة الغارات الإسرائيلية والردود الميدانية، بات السؤال ، هل انهار اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر 2024؟ وما هي “رسائل النار” التي يتبادلها الأطراف فوق أنقاض القرى الجنوبية وضواحي بيروت؟
خروقات تتجاوز قواعد الاشتباك
وتشير التقارير الميدانية الصادرة في الأسبوع الأول من عام 2026، أن لبنان يعيش حالة “حرب استنزاف” متقدمة، رغم إعلان الجيش اللبناني في 8 يناير 2026 عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، إلا أن الواقع على الأرض يحمل ملامح مغايرة:
وسجلت المصادر العسكرية أكثر من 10,000 خرق جوي وبري منذ توقيع الاتفاق، مع تكثيف الغارات على مناطق “شمال الليطاني” و”البقاع” بزعم منع إعادة تسليح حزب الله، وما تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بـ 5 نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، مما تعتبره بيروت “احتلالاً مقنعًا” ينسف بنود التهدئة.
كما أن استهداف مراكز التدريب التابعة لـ “قوة الرضوان” واغتيال كوادره في مناطق مثل “الجميجمة” يعكس قرارًا إسرائيليًا بتفكيك القدرات النوعية للحزب خارج إطار المواجهة التقليدية.
ماذا يريد الأطراف؟
وتتجاوز الانفجارات التي تهز الجنوب اللبناني مجرد الفعل العسكري؛ فهي “رسائل مشفرة” بالبارود، حيث تتبنى تل أبيب استراتيجية “الردع العقابي”، ورسالتها واضحة، لن يتم السماح بالعودة إلى وضع ما قبل سبتمبر 2024، حيث تضغط إسرائيل عبر النار لإجبار الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله بشكل كامل، وليس فقط سحبه من الجنوب.
ورغم الضربات القاسية التي تلقاها، يحاول الحزب إثبات أن منظومة القيادة والسيطرة ما تزال فعالة، الرسالة هنا موجهة للداخل الإسرائيلي وللبيئة الحاضنة: “خيار المقاومة ما يزال قائمًا، وإعادة الإعمار لن تمر عبر بوابة التنازلات السياسية”.
ويسابق الجيش اللبناني الزمن لإثبات قدرته على ضبط الأمن جنوب الليطاني، بدعم أمريكي ودولي واسع، لتفادي إعطاء إسرائيل ذرائع لتوسيع الهجوم.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
ولا يمكن فصل “رسائل النار” عن الواقع المعيشي المنهار، ففي مطلع 2026، يواجه لبنان توقف عمليات إعادة الإعمار في 53 ألف وحدة سكنية مهدمة بسبب التهديدات الأمنية و نزوح أكثر من 100 ألف شخص في مطلع يناير نتيجة تجدد القصف، وربط المساعدات المالية المقدرة بـ 237 مليون دولار من واشنطن بمدى التقدم في ملف حصر السلاح بيد الدولة.
سيناريوهات الأيام المقبلة
تتأرجح التوقعات بين ثلاثة مسارات أساسية إما نجاح الوساطة الأمريكية في لجم التصعيد الإسرائيلي مقابل تعهدات لبنانية صارمة بزيادة انتشار الجيش أو استمرار الغارات الإسرائيلية الموضعية وردود الحزب المحسوبة دون الانزلاق لحرب مدن، والسيناريو الثالث الانفجار الكبير، وهو الأقل ترجيحًا حاليًا، ويحدث في حال تجاوزت إسرائيل “الخطوط الحمراء” بقصف المنشآت الحيوية في بيروت أو تنفيذ اجتياح بري جديد.
إن لبنان في 2026 لا يعيش حربًا شاملة بعد، لكنه يعيش “مقدماتها” أو “ذيولها” الأكثر خطورة، ورسائل النار المتبادلة تشير إلى أن الاتفاقات الورقية لم تنجح في ردم فجوة انعدام الثقة، كما أن الأيام المقبلة وتحديدًا نتائج اجتماعات لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، ستحدد ما إذا كان لبنان سيتجه نحو التعافي أم سيحترق مجددًا بنيران المواجهة الكبرى.

