دخلت الأزمة السودانية منعطفًا حقوقيًا وقانونيًا هو الأخطر منذ اندلاع حرب أبريل 2023، فبينما تستمر الآلة العسكرية في حصد الأرواح، انتقل الصراع من جبهات القتال في الخرطوم والجزيرة ودارفور إلى أروقة المحاكم الدولية ومنصات الأمم المتحدة، حيث يبرز السؤال الملح الآن في الشارع السوداني والأوساط الدبلوماسية، هل يواجه البرهان ملاحقات قانونية دولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب؟
أدلة لا يمكن تجاهلها
لم تعد الاتهامات الموجهة للقوات المسلحة السودانية تحت قيادة البرهان مجرد ادعاءات سياسية، بل تحولت في عام 2025 و2026 إلى ملفات قضائية مدعمة بالصور، وإفادات الشهود، وتقارير الأقمار الصناعية.
ووثقت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة مئات الحالات لغارات جوية استهدفت أسواقًا ومناطق سكنية مكتظة، مما يُصنف وفق القانون الدولي الإنساني كـ “هجمات عشوائية” ترقى لجرائم حرب.
وبموجب “نظام روما الأساسي”، فإن “البرهان” يتحمل مسؤولية جنائية عن أفعال مرؤوسيه إذا علم بها ولم يتخذ إجراءات لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
تحركات المحكمة الجنائية الدولية في 2026
شهد يناير 2026 تحولاً جذريًا في موقف المحكمة الجنائية الدولية، فبعد أن كان التركيز منصبًا على إقليم دارفور فقط، بدأت المطالبات القانونية بفتح “تحقيق شامل” يغطي كافة الجغرافيا السودانية.
كما أن لجوء بعض المتضررين لرفع دعاوي قضائية في دول تتبنى مبدأ “الولاية القضائية العالمية” مثل ألمانيا وفرنسا، مما قد يحد من حركة البرهان الدولية ويجعله عرضة للاعتقال بمجرد سفره لخارج السودان.
هل فقد البرهان حصانته الدبلوماسية؟
الحصانة التي يتمتع بها رؤساء الدول ليست مطلقة في مواجهة الجرائم ضد الإنسانية، ففي عام 2026، يجد البرهان نفسه في عزلة متزايدة تجعل من حصانته “ورقة واهية” وفقدان الشرعية السياسية مع فشل تشكيل حكومة مدنية متوافق عليها، تنظر دول كثيرة للبرهان كـ “سلطة أمر واقع” عسكرية، وليست حكومة شرعية تتمتع بالحصانات السيادية الكاملة وتجميد العلاقات و تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي والقيود المفروضة من البنك الدولي تزيد من تآكل الحماية الدولية التي كان يوفرها المنصب.
مستقبل الملاحقات
إن التاريخ السوداني مع المحكمة الجنائية مثقل بالدروس، فالبشير ظل مطلوبًا لسنوات بينما كان في السلطة، لكن الفرق في حالة البرهان عام 2026 هو سرعة تدفق المعلومات و التوثيق الرقمي الفوري للجرائم يجعل من الصعب إنكار المسؤولية.
وهناك إجماع غير مسبوق من المنظمات الدولية “هيئة محامي دارفور، هيومن رايتس ووتش، العفو الدولية” على ضرورة إنهاء حقبة “الإفلات من العقاب” في السودان.
العدالة بين مطرقة السياسة وسندان القانون
إن ملاحقة البرهان قانونيًا ليست مجرد إجراء قضائي، بل هي عملية سياسية معقدة، فبينما يمتلك القانون الدولي الأدلة الكافية لفتح المحاكمات، تظل “الإرادة السياسية” للدول العظمى هي المحرك الفعلي لتنفيذ هذه الملاحقات.

