مع مطلع عام 2026، تدخل الأزمة السورية فصلاً جديدًا من فصول التوتر، حيث تصدرت “حرب التصريحات” المشهد السياسي والعسكري في مناطق الشمال.
حيث قالت مصادر: إنه بعد عام كامل على سقوط النظام السابق وتولي الإدارة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع مقاليد الأمور في دمشق، ما يزال ملف شمال سوريا يمثل “خاصرة رخوة” تهدد استقرار البلاد والمنطقة برمتها.
فبين التهديدات التركية المستمرة، ومطالب “قسد” باللامركزية، وإصرار الحكومة المركزية في دمشق على بسط سيادتها، تُرسم ملامح مواجهة قد لا تكتفي بحدود التصريحات الإعلامية.
واقع الخارطة العسكرية
وأوضحت المصادر، أنه لم يعد التوتر في شمال سوريا مجرد مناوشات حدودية، بل تحول إلى صراع إرادات حول شكل “سوريا الجديدة”.
حيث تتركز نقاط الاشتقاق حاليًا في محيط حلب، منبج، وتل رفعت، حيث تتداخل خطوط التماس بين “الجيش السوري الجديد” والقوات التركية وفصائل المعارضة المدعومة منها، وبين “قوات سوريا الديمقراطية” “قسد”.
موقف دمشق
وتتبنى الحكومة السورية الانتقالية خطابًا حازمًا تجاه الفصائل المسلحة، وتؤكد تصريحات المسؤولين في دمشق أن عام 2026 يجب أن يكون “عام إنهاء الظواهر العسكرية الموازية”.
كما تصر دمشق على تنفيذ اتفاق 10 مارس الذي يقضي بدمج “قسد” بالكامل ضمن هيكلية وزارة الدفاع، وهو ما يواجه عقبات تقنية وسياسية كبرى.
التوجهات التركية
وتعتبر أنقرة أن استمرار وجود “قسد” على حدودها يمثل خطرًا وجوديًا، وقد لوح وزير الدفاع التركي، يشار غولر، مؤخرًا بأن تركيا لن تتردد في التحرك عسكريًا إذا فشلت دمشق في تحجيم “العناصر الإرهابية” “حسب الوصف التركي”.
كما تسعى تركيا لفرض واقع إداري وأمني مستقر في مناطق “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، محولة إياها إلى “منطقة نفوذ دائمة” قد تعيق جهود دمشق في توحيد البلاد.
مآلات التوتر.. سيناريوهات الشمال السوري في 2026
تشير القراءة التحليلية للتصريحات الأخيرة إلى ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل المنطقة فالسيناريو الأول “التسوية الصعبة” “الاندماج السلمي” حيث يعتمد هذا السيناريو على نجاح الوساطة “الأمريكية-التركية” في إقناع “قسد” بالتخلي عن مشروع الإدارة الذاتية مقابل ضمانات دستورية.
وضمن سيناريوهات المكاسب والحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتجنب نزيف الدماء أو انعدام الثقة بين الأطراف، ورفض “قسد” التخلي عن استقلاليتها العسكرية، أما السيناريو الثاني “الحسم العسكري” “المواجهة المفتوحة” ، وفي حال إعلان “وفاة” اتفاقات الاندماج، قد نشهد عملية عسكرية منسقة “سورية-تركية” ضد معاقل “قسد” في شرق الفرات ومنبج.
أما عن المخاطر فاندلاع حرب استنزاف طويلة، موجات نزوح جديدة، وإمكانية عودة خلايا تنظيم “داعش” لاستغلال الفراغ الأمني.
وحول السيناريو الثالث “ستاتيكو القلق” “استمرار الوضع الراهن” ، وبقاء الوضع على ما هو عليه مع استمرار المناوشات المحدودة و”حرب التصريحات” دون تغيير جوهري في خارطة السيطرة. هذا السيناريو هو الأرجح في المدى المنظور نظرًا للانشغال الدولي بملفات إقليمية أخرى.
البُعد الإقليمي والدولي
ولا يمكن فصل توتر الشمال السوري عن التجاذبات الدولية فالولايات المتحدة تحاول موازنة دعمها لـ “قسد” مع رغبتها في بناء علاقة مستقرة مع إدارة دمشق الجديدة لضمان عدم عودة النفوذ الإيراني.
وأما عن إسرائيل فتراقب التحركات العسكرية بدقة، وتخشى من تحول الجنوب أو الشمال إلى قواعد لانطلاق عمليات ضدها، خاصة مع تقارير تتحدث عن محاولات إعادة تموضع لفصائل موالية لإيران في ظل الهشاشة الأمنية.
وبالنسبة روسيا فهي تسعى للحفاظ على دور “الوسيط” لضمان مصالحها الاستراتيجية وقواعدها العسكرية، مع الضغط باتجاه تسوية تفاوضية تمنع انفراد تركيا بالقرار في الشمال.
يذكر، أن الشمال السوري في عام 2026 يقف على مفترق طرق تاريخي فحرب التصريحات الراهنة ليست مجرد مناورات كلامية، بل هي تعبير عن أزمة سيادة عميقة.
إن نجاح الإدارة السورية الجديدة في احتواء “قسد” وطمأنة المخاوف التركية سيكون الاختبار الحقيقي لقدرتها على قيادة سوريا نحو الاستقرار المستدام.

