يبدو أن منطقة الشام لن تشهد هدوًاء دائمًا، فبعد وقف إطلاق النار في لبنان، اشتعلت سوريا سريعًا، حيث شنت مجموعات مسلحة هجومًا واسع النطاق ضد قوات النظام، ما أسفر عن مقتل 242 شخصًا في الأقل منذ أول أمس الأربعاء، وفق ما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان.
أعنف معارك
وتُعد هذه المعارك “الأعنف” في المنطقة منذ سنوات، وفق المرصد، وتدور في مناطق تبعد نحو 10 كيلومترات من أطراف حلب، كبرى مدن شمال سوريا، حيث يشهد ريف حلب الغربي حالة من النزوح الجماعي للأهالي مع اشتعال المعارك.
ودخل مقاتلو “هيئة تحرير الشام” والفصائل المتحالفة معها اليوم إلى مشارف حلب، حيث أكد مدير “المرصد” رامي عبدالرحمن أن “القتال وصل الآن إلى مدينة سراقب الاستراتيجية” الخاضعة لسلطة النظام، مضيفًا أنه “إذا تمكن المتمردون من السيطرة عليها، فقد يُؤدي ذلك إلى محو مكاسب النظام في المنطقة منذ خمس سنوات”.
وأوضح أن المسلحين “سيطروا الآن على نحو 50 بلدة وقرية” في محافظتي إدلب وحلب، لافتًا إلى أنه “من الغريب أن نرى قوات النظام تتلقى ضربات قوية كهذه، على رغم الغطاء الجوي الروسي والمؤشرات المبكرة على أن هيئة تحرير الشام ستشن هذه العملية”.
قصف حلب للمرة الأولى منذ 4 أعوام
وشهدت مدينة حلب قصفًا مسلحًا للمرة الأولى منذ أربع سنوات واستهدفوا المدينة الجامعية فيها حيث قتل أربعة مدنيين، بينهم طالبان، بحسب وكالة “سانا” الرسمية.
وقال جيش النظام السوري ومصادر من المعارضة إن طائرات حربية روسية وسورية قصفت في اليوم التالي شمال غربي سوريا، الذي تُسيطر عليه المعارضة، بالقرب من الحدود مع تركيا في محاولة لصد هجوم استولت فيه المعارضة على أراضٍ، للمرة الأولى منذ سنوات.
تعزيزات عسكرية
ووصلت تعزيزات عسكرية إلى مدينة حلب، وتحدث مصدر أمني سوري طالبًا عدم الكشف عن هويته عن “معارك واشتباكات عنيفة من جهة غرب حلب”، مؤكدًا أنها “لم تصل إلى حدود المدينة”.
وأعلنت المعارضة السورية المسلحة أنها دخلت اليوم الجمعة أول أحياء مدينة حلب، بعد أن سيطرت على ريفها الغربي بالكامل إثر معارك ضارية مع قوات النظام السوري وحلفائها.
وقالت إدارة العمليات العسكرية التابعة للمعارضة المسلحة إن مقاتليها سيطروا على مركز البحوث العملية في حلب الجديدة.
ويأتي هذا التطور في اليوم الثالث لمعركة “ردع العدوان” التي أطلقتها المعارضة السورية المسلحة، ردًا على ما قالت إنها اعتداءات متصاعدة وحشود للنظام لمهاجمة معاقلها.
وفي السياق نفسه، قال التلفزيون السوري إن مجموعات مسلحة تستهدف بالقذائف أحياء في نبّل والزهراء بريف حلب الشمالي.
وفي وقت سابق اليوم، قالت وكالة الأنباء السورية إن 4 مدنيين -بينهم طالبان- قتلوا جراء استهداف مجموعات مسلحة المدينة الجامعية في حلب بالقذائف.
وأفاد ناشطون بأن قوات النظام السوري ردت على هجوم المعارضة بقصف صاروخي استهدف مدينة إدلب وبلدات قريبة منها مما أسفر عن قتلى وجرحى.
ماذا حدث في حلب؟
وفجر اليوم، أعلن المقدم حسن عبدالغني المتحدث باسم إدارة العمليات العسكرية في المعارضة المسلحة أن قواتهم سيطرت على ريف حلب الغربي بالكامل، بعد معارك ضارية مع قوات النظام السوري استمرت 36 ساعة.
وأضاف عبدالغني أن قوات المعارضة “حررت” بلدة كفر حلب الإستراتيجية غرب مدينة حلب، كما أعلنت إدارة العمليات العسكرية السيطرة على مواقع استراتيجية في ريف إدلب الجنوبي الشرقي.
وكانت الفصائل السورية المسلحة سيطرت قبل ذلك على مقر الفوج 46 وبلدة خان العسل الإستراتيجية وعشرات البلدات والقرى الأخرى، كما هاجمت مطار النيرب شرقي حلب حيث تتمركز فصائل موالية لإيران.
وأقر مصدر عسكري سوري بأن هذا التقدم سمح لقوات المعارضة بالتمركز على مسافة 10 كيلومترات تقريبًا من وسط مدينة حلب وكيلومترات قليلة من بلدتي نُبّل والزهراء، اللتين تعتبران خط دفاع عن المدينة من جهة الشمال، وتتمركز فيهما مجموعات مسلحة موالية لإيران.
فيما تحدثت المعارضة عن مقتل أكثر من 200 عنصر وإصابة مئات آخرين من قوات النظام السوري، بالإضافة إلى أسر ما لا يقل عن 20 عنصرًا، والاستيلاء على ثكنات ودبابات ومدرعات، بينما أفادت تقارير بأن الفصائل المسلحة تكبدت بدورها أكثر من 100 قتيل.
وفي المقابل، قالت وزارة الدفاع السورية إن قواتها تتصدى للهجوم وكبدت القوات المهاجمة خسائر كبيرة في العتاد والأرواح.
انتهاك لسيادة سوريا
ومع تلك الأحداث الميدانية، اعتبرت الرئاسة الروسية أن ما يجري في حلب انتهاك لسيادة سوريا.
فيما دعا الكرملين النظام السوري لاستعادة ما وصفه بالنظام الدستوري في المنطقة في أسرع وقت ممكن، وعقب ذلك، أكدت مصادر سورية أن الطيران الروسي “سيتحرك خلال الساعات المقبلة لتغيير مسار المعارك في الشمال السوري”.
وفي طهران، ندّد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بما اعتبره انتهاكا لاتفاقية خفض التصعيد شمالي سوريا، وقال بقائي إن الهجوم الذي تشنه -ما سماها- الجماعات الإرهابية في سوريا “جزءًا من المخطط الشرير للكيان الصهيوني الإرهابي وأمريكا لزعزعة الأمن في منطقة غرب آسيا”.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الجمعة، إن “إعادة تنشيط الجماعات الإرهابية في سوريا، جزء من مخطط أمريكي-صهيوني”، على حد وصفه، وأضاف عراقجي في تصريح لوكالة “تسنيم” الإيرانية، أن ذلك “جاء بعد الهزائم التي منيت بها إسرائيل أمام المقاومة في وفلسطين”.
وأكد الوزير الإيراني استمرار دعم بلاده للحكومة والشعب والجيش السوري في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي.