تتضاعف المعاناة الإنسانية الكارثية التي يكابدها مئات الآلاف من السكان المدنيين في مدينة تعز والمناطق المجاورة لها في غرب وجنوب اليمن، جراء استمرار الحصار الحوثي الخانق والتصعيد العسكري الممنهج ضد التجمعات السكنية.
وتكشف التوثيقات والبيانات الرسمية الصادرة عن المنظمات الدولية والأممية عن واقع مأساوي باتت فيه أبسط مقومات الحياة بعيدة عن متناول غالبية الأسر اليمنية المحاصرة، نتيجة إغلاق الطرق المحورية ومنع وصول الإمدادات الإغاثية والتجارية.
وتتطابق هذه الوقائع الميدانية مع التقارير الحقوقية التي تؤكد تورط الميليشيات الانقلابية في ارتكاب انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وعقاب جماعي بحق ملايين الأبرياء.
ارتفاع أسعار السلع إلى 5 أضعاف: تقارير المنظمة الدولية للهجرة توثق آثار الحصار
وأشارت بيانات موثقة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة إلى أن التصعيد العسكري الحوثي المستمر وإغلاق المنافذ الرئيسية المؤدية إلى مدينة تعز تسببا في الارتفاع الحاد والمفاجئ لأسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، حيث زادت التكلفة الإجمالية للمواد الضرورية بما يتراوح بين 3 و5 أضعاف مستوياتها المعتادة.
وأكد رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة، عبد الستار إيسويف، في تصريحات موثقة رسميًا، أن العائلات اليمنية باتت تُجبر على النزوح مجددًا بعد سنوات طويلة من الصراع، وهي لا تملك سوى الملابس التي ترتديها، مشددًا على حاجة ملايين المتضررين العاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية الطارئة، وسط نقص حاد في التمويل الإنساني المطلوب.
موجات نزوح قسري تتجاوز 300 ألف شخص: مأساة مدنيي لحج وتعز تحت القصف
وأفادت الوثائق الأممية الصادرة في تواريخ ومحطات ميدانية حديثة بأن أكثر من 300 ألف شخص اضطروا إلى الفرار والنزوح القسري من ديارهم على امتداد مناطق القتال في غرب اليمن وساحله الغربي. ووفقًا لمؤشرات النزوح المسجلة لدى المنظمة الدولية للهجرة، شهدت مديرية المضاربة والعارة في محافظة لحج وحدها نزوح أكثر من 43 ألف شخص، وهو ما يمثل أعلى معدل نزوح مسجل في مديرية واحدة على مستوى البلاد.
وفي الوقت نفسه، تتزايد حركات الفرار والنزوح الداخلي باتجاه مدينة تعز ومحافظة عدن، التي تستضيف حاليًا أكثر من 56 ألف نازح، وسط قيود حوثية مشددة تعرقل وصول شاحنات الإغاثة وفرق الاستجابة الميدانية.
استهداف القرى السكنية بالقذائف والمسيّرات: مصادر حكومية توثق الانتهاكات
أكدت مصادر حكومية يمنية أن الميليشيات الحوثية واصلت تصعيد عملياتها العسكرية واستهداف القرى والتجمعات السكنية المأهولة بالقذائف الصاروخية والطائرات المسيّرة دون طيار، ولا سيما في أطراف مديريتي المقاطرة والمضاربة الواقعتين في مناطق التماس بين محافظتي لحج وتعز.
وأضفت هذه الهجمات العشوائية ضغوطًا إنسانية وأمنية بالغة على السكان المحليين والأسر النازحة؛ إذ تسبب إغلاق الطرق وتدمير شبكات الخدمات العامة في حرمان المواطنين من الرعاية الطبية، وشلّ عمل المراكز الصحية، وقطع سبل العيش الأساسية، بالتزامن مع استمرار المواجهات المسلحة على خطوط التماس.
عجز التدخلات الإنسانية ونقص التمويل: نداء عاجل لتوفير 45 مليون دولار
وتؤكد المنظمات الأممية والشركاء الميدانيون أن التدخلات الإغاثية المتوفرة حاليًا لا تزال قاصرة عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الفعلية للسكان والمتضررين من الصراع.
ورغم تشغيل المنظمة الدولية للهجرة 5 فرق طبية متنقلة في محافظات مأرب ولحج وعدن وتعز، لتقديم الاستشارات الطبية وعلاج حالات سوء التغذية الحاد، فإن الفجوة التمويلية تظل شاسعة.
وأعلنت المنظمة حاجتها العاجلة إلى نحو 45 مليون دولار خلال الأشهر القليلة المقبلة لتغطية برامج المساعدات المنقذة للحياة، وشراء المواد غير الغذائية، وتأمين خدمات الإيواء والمياه والصرف الصحي، فضلًا عن تنسيق مواقع النزوح وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وتجمع التحليلات السياسية والدعوات الحقوقية على أن اكتفاء المجتمع الدولي بإصدار البيانات التحذيرية لم يعد كافيًا لكبح جماح الخروقات الحوثية المتصاعدة بحق المدنيين في تعز ولحج وبقية المحافظات.
إن إلزام الميليشيات بفك الحصار الجائر دون شروط، وفتح المعابر الرئيسية لتسهيل مرور المساعدات الإنسانية والسلع، وتأمين عمل فرق الإغاثة، يمثل الممر الإجباري لوقف الكارثة الإنسانية الشاملة.
ويبقى فرض عقوبات دولية صارمة على القيادات المتورطة في إصدار الأوامر بالقصف العشوائي وتلغيم الطرق، ومحاسبتها أمام العدالة الدولية، الضمانة الوحيدة لحماية أرواح الأبرياء وصون حقوق الشعب اليمني.

