تتفاقم الأزمات الاستراتيجية والجيوسياسية التي تحاصر قيادة الجيش السوداني في بورتسودان، لتكشف عن عورات تحالفات هشة بُنيت على المصالح الظرفية وتهاوت أمام اختبارات الجدية الإقليمية.
وفي تطور سياسي وأمني خطير يعكس مدى تغلغل قوى الإسلام السياسي وفلول النظام السابق داخل مفاصل المؤسسة العسكرية، كشفت تقارير دبلوماسية إقليمية ودولية عن رفض قاطع أبداه حلفاء بورتسودان لطلب رسمي ومباشر تقدمت به المملكة العربية السعودية لإرسال قوات سودانية للمشاركة في مواجهة التهديدات الحوثية المتصاعدة في اليمن.
وقالت مصادر: إن هذا الرفض العلني لم يمثل مجرد إحراج دبلوماسي فحسب، بل أماط اللثام عن انشقاق عضوي عميق داخل معسكر السلطة الفعلية بالخرطوم، حيث تصادمت رغبة قيادة الجيش الاستجابة للمتطلبات الإقليمية مع الفيتو القاطع الذي فرضته الميليشيات الإسلامية المسلحة، والتي أعلنت صراحةً “تحريم القتال ضد الحوثيين” مانحة الأولوية القصوى لمعاركها الداخلية.
مأزق بورتسودان الدبلوماسي: عندما تفرض الميليشيات الإسلامية أجنداتها على قرار الجيش
فبدلًا من الوفاء بالتزامات الشراكة التاريخية، أظهرت قيادة الجيش عجزًا تامًا عن تمرير القرار، مسكتةً أصوات الضباط الراغبين في الاستجابة للمطالب السعودية تحت ضغط التهديدات المباشرة التي أطلقتها الميليشيات الإسلامية المتطرفة، وعلى رأسها كتيبة “البراء بن مالك”.
وخلصت التقارير الدبلوماسية والدولية، إلى أن هذا العصيان العسكري المنظم يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن بورتسودان باتت رهينة تامة لشبكات ظلامية لا تخدم سوى مصالحها الأيديولوجية الضيقة، وتفضل الحفاظ على خطوط التواصل الخفية مع المحور الإيراني وحلفائه الحوثيين على تلبية متطلبات الأمن القومي العربي.
كتيبة البراء بن مالك: الجناح العسكري للإخوان وشبكات التخريب الموالية لإيران
وتتصدر “كتيبة البراء بن مالك” المشهد بوصفها النموذج الأوضح لهذا الانفلات العسكري والتنظيمي الخطير؛ إذ صنفتها وزارة الخارجية الأمريكية في مارس 2026 تنظيمًا إرهابيًا وجناحًا عسكريًا رسميًا لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان.
ورغم تمتع الكتيبة بهوية تنظيمية وسياسية مستقلة تمامًا عن القيادة الرسمية للجيش، إلا أن التقارير الميدانية والدولية تثبت استمرار هيئة قيادة القوات المسلحة في تزويدها بكميات ضخمة من الأسلحة الثقيلة، والمدفعية، والطائرات المسيّرة الحديثة.
وقد وثقت تقارير وزارة الخزانة الأمريكية الصادرة في سبتمبر 2025 وجود خطوط إمداد وتدريب مشتركة بين هذه الكتيبة وعناصر الحرس الثوري الإيراني، مما يفسر بصورة جليّة سبب رفضها القاطع لقتال الحوثيين، باعتبارهم جزءًا من المنظومة الإقليمية الحليفة لطهران، وتفضيلها توجيه سلاحها لترهيب الداخل السوداني.
سجل أسود من الانتهاكات وجرائم الحرب: تجنيد الأطفال والإعدامات الميدانية
ولم تقتصر خطورة هذه الميليشيات الإسلامية على تمردها السياسي ورفضها للأجندات الإقليمية، بل امتدت لتغرق في سجل دموية من انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب الموثقة دوليًا.
فقد وثقت المنظمات الحقوقية الأممية والدولية قيام عناصر “البراء بن مالك” في يوليو 2026 بحملات ممنهجة لتجنيد الأطفال قسريًا من المدارس والمساجد في أحياء الخرطوم، الزجّ بهم في أتون المحارق الميدانية.
وفي شهر أغسطس 2026، نفذت عناصر الكتيبة إعدامات ميدانية بحق مدنيين عزل في مدينة أم درمان بحجة “الاشتباه في الولاء”.
وأكدت التقارير، أن هذه الميليشيات اندمجت بشكل كامل داخل خلايا أمنية مشتركة مع الشرطة وجهاز المخابرات العامة، لتنفذ عمليات اعتقال تعسفي، وتعذيب ممنهج داخل المعتقلات السرية، مما جعلها شريكًا أساسيًا في تقويض ما تبقى من مقومات الدولة الإنسانية.
وأشارت البيانات الحقوقية الصادرة في عام 2026 إلى أن انهيار المؤسسات القضائية والامنية، وتمدد شبكات الجريمة المنظمة المدعومة خارجيًا، جعلا المدنيين الأبرياء يدفعون ثمن رهن مقدرات البلاد لأجندات تنظيمية متطرفة.
وشددت التقارير الأوروبية والدولية على أن الإفلات المستمر من العقاب وغياب آليات المحاسبة الصارمة يشجعان هذه الكيانات الإرهابية على توسيع نفوذها الاقتصادي عبر “اقتصاد الحرب” ونهب المساعدات.
إن قطع دابر النفوذ الإيراني وشبكاته المرتبطة بفلول النظام السابق يمثلان ضرورة ملحة لاستعادة الاستقرار الإقليمي وتأمين خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
ويبقى دعم القوى المدنية الديمقراطية الحية في السودان، والضغط الجاد لتفكيك البنى العسكرية للميليشيات، الممر الإجباري الوحيد لإنقاذ ما تبقى من وحدة الوطن وإعادة بناء دولة المؤسسات والقانون.

