تتفاقم الأزمات الهيكلية والمركبة في لبنان لتطال العمق المالي والإداري للدولة، في وقت يعاني فيه الشارع من تداعيات الانقسام السياسي وتغول الميليشيات المسلحة وغير الشرعية على مقدرات البلاد وقرارها السيادي.
وبينما تتواصل التحذيرات الأممية والدولية من مخاطر الانهيار الشامل لتأخر الإصلاحات وتغييب سيادة القانون، انفجر صراع محاسبي وقانوني معقد بين القطاع المصرفي ووزارة المال بشأن مطالبات ضريبية ناهزت 600 مليون دولار على خلفية فروقات تقييم سندات الدين الدولية “اليوروبوندز”.
ويأتي هذا التطور ليحبس أنفاس مئات الآلاف من المودعين الذين يترقبون مصير أموالهم المحتجزة، وسط تحذيرات حقوقية من أن تحميل القطاع أعباء مالية إضافية في ظل تراجع ملاءته المالية سيعوق قدرته على الوفاء بالتزاماته، ويُعمق حالة الفقر والعزلة الدولية التي كُرست بفعل السلاح المنفلت وغياب الحوكمة.
النزاع الضريبي حول سندات “اليوروبوندز”: مطالبات بـ600 مليون دولار وسط أزمة سيولة حادة
وتتجه الأنظار إلى الاجتماعات التقنية المباشرة المرتقبة بين السلطات المالية وجمعية المصارف عقب تمديد مهلة تنفيذ المطالبات الضريبية إلى منتصف الشهر المقبل، بهدف البت في الصوابية القانونية للتكليفات الصادرة عن دائرة كبار المكلفين.
وتتركز المشكلة في مطالبة وزارة المال بدفع مبالغ ضريبية تتراوح بين 500 و600 مليون دولار عن فروقات أسعار الصرف وأرباح دفترية غير محققة ناتجة عن إعادة تقييم محفظة سندات “اليوروبوندز”، المعلقة أساسًا منذ قرار الحكومة في ربيع 2020 تعليق سداد أصولها وفوائدها.
وترى المصارف أن هذه المطالبة تستنزف السيولة النقدية المتبقية، وتتجاهل تراجع أموالها الخاصة من 20.6 مليار دولار عشية أزمة خريف 2019 إلى نحو 5.4 مليار دولار حاليًا، مما يهدد بتقويض أي فرصة لاستعادة الانتظام المالي أو إبرام اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.
الاعتراضات القانونية وازدواجية أسعار الصرف: مؤونات مشكوك فيها وتحميل الدولة المسؤولية
وتستند المطالعة القانونية للمصارف في اعتراضها إلى المادتين 81 و82 من الدستور، اللتين تحصران فرض الضرائب وزيادتها بقوانين تصدر عن مجلس النواب، متهة الوزارة باستحدث تكليفات عبر قرارات التنظيمية الإدارية.
وتؤكد المصارف أن المؤونات المخصصة لمواجهة خسائر سندات الدين أنشئت بموافقة رسمية من لجنة الرقابة على المصارف، ما يجعلها مؤونات قانونية يجوز تنزيلها من الأرباح الخاضعة للتكليف وفق ضريبة الدخل.
كما تعترض على احتساب الخسائر وفق سعر الصرف الرسمي القديم (1515 ليرة للدولار)، في مقابل احتساب الإيرادات والأرباح المحاسبية المزعومة وفق السعر الحالي المرتفع (89.5 ألف ليرة للدولار)، معتبرة هذا التفاوت ازدواجية مجحفة.
وتحمل المطالعات الرسمية الدولة المسؤولية الأساسية عن الأزمة المالية نتيجة استهلاكها ودائع المصارف لدى مصرف لبنان وتخلفها عن سداد ديونها المباشرة البالغة 16.5 مليار دولار.
تغول الميليشيات المسلحة وتأثير السلاح غير الشرعي على التعافي الاقتصادي
ووثقت الوثائق الأممية والحقوقية الدولية كيف أسهم انتشار السلاح غير الشرعي والانخراط في الصراعات الإقليمية في ضرب الثقة بالقطاع المصرفي، وعزل لبنان عن النظام المالي العالمي، وتعطيل استرداد أموال المودعين.
كما أكدت التقارير أن استغلال المعابر غير الشرعية وفرض نفوذ الدويلة خارج إطار المؤسسات القضائية يمنعان تدفق الاستثمارات الأجنبية ويُحرمان الخزينة العامة من الموارد الضريبية والجمكية الحقيقية.
تقارير أممية تحذر من اتساع رقعة الفقر وانهيار الخدمات الأساسية
وتؤكد البيانات الحقوقية الصادرة عن المنظمات الدولية المستقلة، أن الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة في لبنان تدفع الثمن الأكبر لهذه الكارثة المركبة؛ حيث تجاوزت معدلات الفقر المتعدد الأبعاد 80% من السكان، بالتوازي مع تداعي البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والرعاية الصحية.
وأوضحت التقارير الصادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أن استمرار خضوع مؤسسات القرار السياسي والمالي لضغوط السلاح والفساد الممنهج يكرس سياسة الإفلات من العقاب، ويمنع المحاسبة عن الجرائم المالية والانتهاكات التي مست حقوق المواطنين في العيش بكرامة، مشددة على أن الإصلاح المحاسبي لا يمكن فصله عن التغيير المؤسسي الشامل.
إن البدء الحقيقي في مسار التعافي يتطلب إحكام الدولة لسيادتها الكاملة على أراضيها ومنافذها، وتفكيك البنى المسلحة غير الشرعية، وتأمين استقلالية القضاء لملاحقة الفساد ومحاسبة المتسببين في ضياع الودائع.
ويبقى التوافق على خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي بالتعاون مع المؤسسات الدولية، وحماية حقوق المودعين المشروعة، الخطوة الأساسية والوحيدة لإعادة الثقة بالنظام المالي اللبناني وبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.

