تتوارى آمال المواطنين في سوريا خلف سحب داكنة من الغلاء المعيشي المتفاقم والصدمات الاقتصادية المتتالية، حيث تتبدد أبسط مقومات الحياة الآدمية وسط أزمة خانقة ومستعرة في قطاع المشتقات النفطية.
ولم يعد المشهد اليومي في مختلف المحافظات السورية سوى سلسلة متواصلة من الأزمات المأساوية التي تحاصر الأسر والمرضى وكافة القطاعات الحيوية، في ظل عجز حكومي تام وإمعان في فرض قرارات سعرية قاسية تفاقم من معاناة شعب أثقلته عقود من الصراعات والتدخلات المدمرة والسياسات الاقتصادية المرتجلة التي تزيد من أعباء الحياة اليومية.
كارثة الانهيار الاقتصادي والمعيشي
وكشفت تقارير وكالات الإغاثة الدولية وبعثات الأمم المتحدة لعام 2026 أن الارتفاع الجنوني في أسعار المشتقات النفطية أدى إلى شلل شبه تام في القدرة الشرائية لأكثر من تسعين بالمائة من السوريين، الذين باتوا يعيشون تحت خط الفقر المدقع، عاجزين عن تأمين أبسط احتياجاتهم الأساسية من التدفئة والنقل والغذاء.
وفي هذا السياق، حذرت تقارير الأمم المتحدة مراراً من الوضع الكارثي الناجم عن تراجع إنتاج الطاقة وتوقف المصافي الرئيسية عن العمل، مشيرة إلى أن استمرار فجوة الاستيراد والاعتماد على الأسواق الخارجية بأسعار باهظة يضاعف من معدلات التضخم ويقوض أي فرص للتعافي الاقتصادي.
وتشير البيانات الحقوقية الموثقة إلى أن هذه الأزمات المتراكمة تعزز حالات النزوح وتعمق المعاناة الإنسانية، مما يحتم تدخلاً دولياً عاجلاً لمحاسبة المسؤولين عن تدهور البنية التحتية وتقديم المساعدات الطارئة للمتضررين في مختلف المدن والمناطق السورية.
تفاصيل الصدمة السعرية: رفع أسعار المازوت والبنزين والغاز في سوريا
وفي تفاصيل الأزمة الراهنة، شهدت أسعار المازوت في سوريا ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة تقارب 40 بالمائة، وفقاً للنشرة المؤقتة الجديدة الصادرة عن اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية.
وقد ارتفع سعر لتر المازوت في السوق المحلية ليبلغ 175 ليرة سورية، مقارنة بـ125 ليرة سابقاً، في حين يقترب سعر طن المازوت عالمياً من مستويات 1400 دولار، بحسب الأسعار التي تتابعها الوزارة.
وتأتي هذه التعديلات السعرية في ظل ضغوط استثنائية تتعلق بارتفاع تكاليف التأمين والنقل والشحن، واعتماد السوق السورية على الاستيراد بنسب تتراوح بين 60 بالمائة و74 بالمائة لتغطية الاستهلاك اليومي، وسط توقف مصفاة بانياس للصيانة الشاملة.
وإلى جانب المازوت، شملت النشرة الرسمية الصادرة عن الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية «محروقات» تسعيرة محدثة لمختلف المشتقات النفطية والغازية لتغطية الفجوة بين تكاليف التأمين وسعر البيع المحلي، وفقاً لسعر صرف دولار المحروقات البالغ 133 ليرة سورية، بحسب وكالة الأنباء السورية «سانا».
وجاءت الأسعار المعتمدة بارتفاعات قياسية شملت بنزين 95، الذي صعد إلى 195 ليرة سورية، وبنزين 90، الذي بلغ 185 ليرة سورية، بينما وصلت قيمة أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1600 ليرة سورية، والغاز الصناعي إلى 2570 ليرة سورية، فضلاً عن تعديل أسعار طن الفيول وزفت «Mc» وبيتومين الأسفلت وغالون كيروسين الطيران.
أسباب الأزمة وتداعيات توقف مصفاة بانياس وفجوة الإنتاج والاستهلاك
تخضع تسعيرة المحروقات في السوق المحلية لمنظومة معقدة من المتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية، وتتمثل أبرز هذه العوامل في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتغير مسارات التوريد، التي أدت إلى زيادة ملحوظة في أجور الشحن والتأمين البحري.
يضاف إلى ذلك توقف مصفاة بانياس الأساسية للصيانة الشاملة، مما أدى إلى تراجع قدرات التكرير المحلية ورفع الاعتماد على شراء المنتجات الجاهزة من الخارج. ويبلغ استهلاك السوق اليومي من المازوت نحو 7.72 مليون لتر، بينما يغطي الإنتاج المحلي جزءاً محدوداً للغاية، مما يجعل نحو 60 بالمائة إلى 74 بالمائة من الحاجة معتمداً كلياً على الاستيراد وتأمين السيولة النقدية الباهظة.
وقد أثار قرار تعديل أسعار المازوت والمشتقات النفطية الأخرى ردود فعل واسعة النطاق في الأوساط الاقتصادية، حيث وصف الخبراء هذه الزيادة بأنها صدمة سعرية حقيقية قادرة على تحريك مستويات التضخم في مختلف القطاعات.
وترتبط تكاليف النقل الداخلي بشكل مباشر بأسعار المحروقات، مما ينعكس فوراً على أجور نقل البضائع والركاب وارتفاع تكلفة الإنتاج النهائي للسلع الزراعية والصناعية التي تعتمد على المازوت بشكل أساسي لتشغيل الآليات والمولدات، ضاربةً بالقدرة الشرائية للمواطن في مقتل.
خطط وزارة الطاقة والتحديات المستقبلية لضمان استقرار الإمدادات
في محاولة لاحتواء الأزمة، أكدت وزارة الطاقة أن تعديل الأسعار هو إجراء مؤقت سيتم مراجعته باستمرار، فور الانتهاء من صيانة مصفاة بانياس وعودة أسعار الطاقة عالمياً إلى وضعها الطبيعي.
وتسعى الحكومة لتوفير السيولة اللازمة للشركة السورية للبترول لسد الفجوة المالية ومواصلة استيراد الشحنات المتتالية، خصوصاً بعد وصول مستحقات الشركة لدى شركة الكهرباء إلى 1.7 مليار دولار.
وتركز الخطط الحالية على إصلاح حقول النفط والغاز المتضررة ورفع كفاءة الآبار، وتوسيع قدرات التكرير، وإصلاح خطوط النقل، وزيادة مساحات التخزين الاستراتيجية، وفتح باب الشراكات الاستثمارية في مجالات البحث عن النفط وتكريره لتقليل الاعتماد الكامل على الاستيراد الخارجي.
إن استمرار تجاهل المعاناة الشعبية وغياب الخطط الاستراتيجية الناجعة لن يزيد المشهد إلا اشتعالاً، مما يفرض على كافة الجهات المعنية تحمل مسؤوليتها التاريخية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مقومات الدولة والاقتصاد الوطني قبل فوات الأوان.

