ذات صلة

جمع

تحركات دولية متسارعة ضد طهران.. ماذا وراء موجة قطع العلاقات؟

في مشهد سياسي متسارع يعكس تهاوي أذرع النظام الإهليمية...

بين نزع السلاح وإعادة البناء.. ما الاختبار الأصعب أمام خارطة الطريق في غزة؟

يقف قطاع غزة اليوم على عتبة مرحلة مفصلية وتاريخية...

في ظل جرائم الحوثيين.. كيف تحوّل خليج عدن وباب المندب إلى ممرات موت بحثاً عن الأمان المفقود؟

لم يعد عبور خليج عدن وباب المندب بالنسبة إلى آلاف الأسر اليمنية مجرد رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر والأهوال، بل تحوّل إلى طريق اضطراري ووحيد للهروب بحثاً عن الأمان المفقود.

كما أنه لم يعد المشهد اليومي في مختلف المحافظات الساحلية والغربية سوى سلسلة متواصلة من المآسي الإنسانية المفجعة التي تحاصر الأطفال والنساء والمرضى وكافة القطاعات الحيوية، في ظل تصعيد إجرامي مروّع تمارسه ميليشيات الحوثي على الساحل الغربي، واتساع نطاق المواجهات العنيفة غرب مدينة تعز وأطراف محافظة لحج، حيث المرتفعات الاستراتيجية المجاورة لشرق باب المندب، والتي باتت تشهد عمليات نزوح واسعة النطاق نحو المجهول.

كارثة الهروب الجماعي عبر باب المندب

فقد أكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقاريرها الموثقة أن أعداد اليمنيين الواصلين إلى سواحل جيبوتي قد تجاوزت أعلى معدل يومي سُجّل منذ عام 2015، مشيرة إلى أن طواقمها وشركاءها الميدانيين يستعدون بكامل طاقتهم لاستقبال أكثر من عشرة آلاف لاجئ، مع توقعات بارتفاع هذه الأعداد تزامناً مع تحسن الظروف البحرية بحلول منتصف شهر أكتوبر، بما يتيح مزيداً من عمليات العبور المحفوفة بالموت.

وفي السياق ذاته، وثّقت البيانات الرسمية الصادرة عن المنظمة، حتى الثامن عشر من سبتمبر 2026، وصول ثلاثة آلاف وستمائة وواحد شخص جديد من اليمن إلى جيبوتي، بينما تستضيف الدول المجاورة آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء اليمنيين، بينهم نحو أربعة آلاف شخص موزعين في مخيمات جيبوتي، وثمانية آلاف آخرين في الصومال.

وتعكس هذه الأرقام المفزعة اتساع البُعد الإقليمي للأزمة اليمنية المدمرة، والحاجة الملحّة إلى استمرار الدعم الإنساني الدولي وجهود الحماية الفعالة في الداخل اليمني والدول المجاورة على حد سواء، لإنقاذ أرواح الهاربين من جحيم الموت والبطش.

نداءات استغاثة أممية وإعلان حالة الطوارئ لمواجهة تفاقم أزمة النازحين

وفي ظل العجز المالي المتواصل، أطلقت المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين ناقوس الخطر، مؤكدة أن مكتبها الإقليمي في جيبوتي لم يتلقَّ سوى خمسة عشر بالمائة فقط من إجمالي التمويل المطلوب للاستجابة الطارئة.

ووجّهت المفوضية نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي لتوفير ثلاثة عشر ونصف مليون دولار بصورة فورية، لضمان حصول الوافدين الجدد على خدمات التسجيل والاستقبال والرعاية الصحية والحماية الأساسية.

واستجابةً للتطورات الميدانية المتلاحقة، أعلنت المفوضية حالة طوارئ من المستوى الأول تشمل اليمن وجيبوتي والصومال، بهدف حشد الموارد المالية والكوادر البشرية بسرعة فائقة، وتعزيز الاستجابة الإنسانية عبر المساعدات النقدية المباشرة وتوفير المأوى المؤقت.

وحذّرت المفوضية في بياناتها الرسمية من أن احتدام القتال العنيف الذي تشنه ميليشيات الحوثي ينذر بموجات نزوح أوسع نطاقاً، مع توقّع فرار أعداد متزايدة من السكان الباحثين عن ملاذ آمن عبر الممرات المائية الخطرة. وأعربت عن بالغ قلقها إزاء التأثير المدمر للنزاع على المدنيين الأبرياء، مشيرة إلى أن حركة النزوح المتسارعة ترافقها معاناة إنسانية ضخمة واحتياجات معيشية متزايدة يصعب تلبيتها في ظل القيود الأمنية الشديدة التي تعيق وصول قوافل الإغاثة إلى المحافظات المنكوبة.

محافظة تعز في واجهة المأساة وبؤر النزوح تئن تحت ضغط مئات الآلاف

تظل محافظة تعز، الواقعة في الجنوب الغربي لليمن، في قلب العاصفة الإنسانية، إذ سجلت وحدها أكثر من ستين بالمائة من إجمالي حالات النزوح القسري الناتجة عن الهجمات الحوثية المستمرة. ولا تزال الكثير من الأسر النازحة داخل المحافظة نفسها عاجزة تماماً عن الانتقال إلى مناطق أكثر أمناً واستقراراً، بسبب استمرار الاشتباكات وإغلاق الطرق الحيوية ونقص وسائل النقل وشح الوقود بشكل كامل.

كما سُجّلت موجات نزوح واسعة ومتتالية في محافظات الجوف ومأرب والحديدة، في انعكاس مباشر لاتساع رقعة المواجهات وتعدد جبهات القتال التي تفتحها الميليشيات يومياً.

وفي المقابل، وجدت غالبية الأسر النازحة حديثاً ملاذاً مؤقتاً في محافظات عدن ولحج وأبين والضالع، إضافة إلى مأرب، حيث استقبلت هذه المناطق أكثر من تسعين ألف شخص جديد.

لكن الوصول إلى تلك الملاذات الآمنة نسبياً لا يعني بحال من الأحوال انتهاء المعاناة؛ فكثير من العائلات تصل إلى مواقع نزوح مكتظة أصلاً وتفتقر إلى أبسط المقومات، وهي بحاجة ماسة وعاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية، مما يضيف ضغوطاً هائلة وغير مسبوقة على الخدمات الأساسية والبنية التحتية الهشة في تلك المحافظات.

أرقام كارثية وحصيلة دموية للنزاع المسلح وجهود الإغاثة المتعثرة

تشير البيانات الصادرة عن الهيئات الإنسانية إلى أنه، حتى قبل التصعيد الأخير، كان أكثر من خمسة ملايين ومائتي ألف شخص يعانون من النزوح الداخلي المستمر في اليمن، بينما يعيش أكثر من اثنين وعشرين مليون نسمة تحت خط الحاجة الماسة للمساعدات الإنسانية، ويشمل ذلك النازحين داخلياً ونحو ستة وستين ألف لاجئ وطالب لجوء، معظمهم من الصومال وإثيوبيا.

ونظراً لأن أكثر من سبعين بالمائة من الأسر اليمنية النازحة تقيم في خيام هشة أو أماكن غير ملائمة للسكن تقيها حر الصيف وبرد الشتاء، فقد تم تأمين تمويل محدود لتقديم مساعدات نقدية عاجلة تساعد خمسمائة أسرة نازحة في مدينتي عدن ولحج على الحصول على سكن مؤقت يحفظ كرامتها الإنسانية، وسط مطالبات دولية متكررة بوقف الانتهاكات وتجنيب المدنيين أهوال الحرب.

إن بقاء الوضع الإنساني رهيناً لتعنت الميليشيات وغياب الحلول الجذرية سيؤدي حتماً إلى كارثة ديموغرافية ومعيشية لا يمكن تداركها.