تقف الجمهورية التونسية اليوم أمام محطة مفصلية في مسارها الوطني والديمقراطي، حيث تتكشف يومًا بعد يوم خيوط المؤامرات والمحاولات اليائسة التي تقودها التنظيمات السرية والواجهات الحزبية المنهارة للعودة إلى واجهة المشهد السياسي عبر بوابة استغلال الأزمات.
وفي هذا السياق، يسعى تنظيم الإخوان في تونس، ممثلًا في حركة النهضة وذراعها السياسية وجبهتها المزعومة، إلى ركوب موجة الاحتجاجات الشعبية والمطلبية والاجتماعية، فضلًا عن المتاجرة بالقضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بهدف تحقيق مكاسب حزبية ضيقة ومحاولة الإفراج عن قياداته المتورطة في قضايا فساد وتآمر.
محاولات العزل وفشل الرهانات الإخوانية في اختراق الشارع التونسي
في محاولة مستميتة من تنظيم الإخوان في تونس للعثور على موطئ قدم جديد في الشارع، ومحاولة يائسة لكسر طوق العزلة الشعبية والسياسية التي تحاصره منذ سنوات، يسعى الذراع السياسي المتمثل في حركة النهضة لاستعادة حضور تراجع بشدة بفعل الرفض المجتمعي الواسع لسياساته السابقة.
وبينما تتحرك قوى مدنية وشبابية خالصة تحت عناوين مطلبية واجتماعية مشروعة، يحاول التنظيم جاهدًا توظيف تلك التحركات لصالح أجندته الحزبية الضيقة، مستفيدًا من الملفات التي تحظى بحساسية شعبية واسعة، وفي مقدمتها الأوضاع الاقتصادية الصعبة والقضية الفلسطينية.
وتتزامن هذه المشاركة المسبوقة بإصرار مع محاولات إخوانية حثيثة لإعادة طرح ملفات قيادات الحركة المعتقلة على ذمة قضايا أمنية وقضائية خطيرة، وعلى رأسهم راشد الغنوشي، وذلك بغية تحويل الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي أو التضامني إلى منصة ضغط خبيثة لمواجهة السلطة واستعادة مساحة سياسية فقدها التنظيم إلى الأبد.
وقد أكدت البيانات الرسمية الصادرة عن مؤسسة الرئاسة التونسية والمواقف المعلنة للقيادة السياسية هذا التوجه العبثي؛ ففي لقاء جمع الرئيس قيس سعيد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني، شدد الرئيس على أن «هدفهم إجهاض المسار الثوري الذي خطّه الشعب»، مؤكدًا أنه «ما دامت الجبهة الداخلية والمواطنون على وعي بهذه المساعي، فإن هذه الترتيبات التي وضعت لها روزنامة محدّدة مصيرها الفشل التام».
وتتطابق هذه الرؤية مع ما وثقته التقارير الحقوقية والدولية الصادرة عن مراكز رصد الإرهاب والجماعات المتطرفة خلال النصف الأول من عام 2026، والتي أشارت إلى أن حركة النهضة تعمد إلى الاندساس ضمن الفعاليات العامة والمسيرات التضامنية بهدف تمويه هويتها الحقيقية، مستغلة حالة التذمر المعيشي الناتجة عن تركات الإرث الثقيل لحكمها السابق، ومحاولة إحداث شلل مؤسسي يعيق مسار الإصلاح والبناء الوطني الذي تخوضه الدولة التونسية بحزم واقتدار.
استغلال الاحتجاجات ورفض القوى المدنية واليسارية للتوظيف الإخواني
وكشف سياسيون أن تنظيم الإخوان يسعى لتوظيف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة لتأجيج الشارع ضد السلطة الحالية، مؤكدين أن التنظيم يحاول باستمرار استغلال واستثمار هذه التحركات لإنعاش حضوره الميت وإحراج مسار الإصلاح الذي يقوده الرئيس قيس سعيد.
.
ووصف بالطاهر ما تقوم به حركة النهضة وجبهة الخلاص الإخوانية بـ«التوظيف السياسي الرخيص ومحاولة الركوب على المطالب المشروعة للمواطنين لتحقيق مكاسب حزبية مفقودة».
وأشاروا إلى أن «انخراط الإخوان في هذه التحركات الاحتجاجية المساندة للقضية الفلسطينية قوبل برفض واستياء شديدين من قوى يسارية ومدنية داخل الحراك الشبابي، والتي اتهمت حركة النهضة علانية بمحاولة استغلال القضية الفلسطينية الحساسة لدى وجدان كل التونسيين كغطاء رخيص لتصفية حسابات سياسية ضيقة مع الدولة والعودة إلى الواجهة».
وأفادوا بأن تنظيم الإخوان يمارس أبشع صور الالتفاف على الشارع التونسي عبر استغلال الأزمات المعيشية والتعاطف الشعبي الجارف مع فلسطين لإعادة إنتاج تموضعه السياسي.
وفي السياق ذاته، يرى محللون أن الشعب التونسي فقد تمامًا ثقته في حركة النهضة وحلفائها الذين سبق أن فشلوا ذريعًا في إدارة الحكم طوال العقد الماضي، وأسهموا بصورة مباشرة في إفلاس الدولة وإدخالها في دوامة الإرهاب والتخريب الداخلي.
وأكدوا أن القيادات الإخوانية التي تنزل إلى الشارع في هذه التحركات الاحتجاجية سبق أن تولت مسؤوليات تنفيذية وتشريعية كبرى في البلاد، وأثبتت فشلها المطلق في تسيير دواليب الدولة ومؤسساتها الحيوية، وحمّلوا إخوان تونس المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية طوال السنوات العشر التي أعقبت عام 2011، مشيرين إلى أن هذه المعارضة المزعومة تفتقر كليًا إلى أي بديل اقتصادي أو اجتماعي متكامل، ولا تستطيع تحقيق أي نوع من الوحدة نظرًا للنبذ المجتمعي والسياسي الشامل لها.
وأكدوا أنه رغم كل المحاولات اليائسة التي تُبذل من داخل البلاد وخارجها، فإن تنظيم الإخوان في تونس يظل عاجزًا تمامًا عن تجميع الشارع التونسي، لأن الشعب خَبِرهم جيدًا وكشف وجههم الحقيقي، موضحين أنه رغم كافة محاولاتهم للتخفي وراء واجهات القوى المدنية، فإن أهدافهم الحقيقية الرامية إلى التمكين من مفاصل الدولة أصبحت معلومة ومكشوفة لدى كافة أبناء الشعب التونسي الأبي.

