في منعطف اقتصادي خطير ينذر بتعميق الأزمات المعيشية والاختلالات الهيكلية، سجل الميزان التجاري في تونس أرقاماً قياسية مفزعة خلال العام الحالي 2026، مما يضع صناع القرار أمام تحديات وجودية غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، أن العجز التجاري للبلاد قد بلغ حتى شهر أغسطس من عام 2026 نحو 6.1 مليار دولار، مسجلاً نسبة ارتفاع هائلة بلغت 22 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي 2025.
هذه المؤشرات المأساوية تعكس تفاقم الفجوة بين الصادرات والواردات، وتدق ناقوس الخطر حول قدرة الاقتصاد التونسي على صيانة استقراريه النقدي والمالي في ظل عاصفة العجز المستعرة.
تقارير أممية وحقوقية توثق تداعيات الأزمات الاقتصادية في تونس
حيث تتطابق الأرقام الرسمية مع التقارير الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية التي ترصد بدقة تداعيات الأزمات الاقتصادية المتراكمة على الفئات الهشة في تونس.
وبحسب الإحصاءات الموثقة لعام 2026، أدى التراجع المستمر في المؤشرات المالية وارتفاع معدلات التضخم إلى ضغوط معيشية خانقة طالت مختلف الشرائح الاجتماعية، وسط تراجع حاد في قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية من طاقة وغذاء ودواء.
وتشير تقارير الهيئات الأممية إلى أن الاختلالات الهيكلية في الاقتصادات النامية، وعلى رأسها قطاع الطاقة والتجارة الخارجية، تسهم بصورة مباشرة في اتساع رقعة الفقر والبطالة.
وقد دعت المنظمات الحقوقية الدولية إلى ضرورة توجيه الدعم الأممي والإقليمي لتعزيز برامج الحماية الاجتماعية في تونس، مع ربط أي شراكات تمويلية بإصلاحات شفافة تكفل حماية المواطنين من تداعيات الانهيار الاقتصادي وتضمن استدامة الموارد الحيوية للجميع.
أسباب اتساع العجز التجاري وقفزة الواردات مقابل الصادرات
وفي تفاصيل الأسباب الكامنة وراء هذا النزيف المالي، أرجع المعهد الوطني للإحصاء تطور العجز التجاري إلى تباطؤ وتيرة نمو الصادرات عند حدود 8 بالمئة والتي كانت مدفوعة بشكل رئيسي بمبيعات زيت الزيتون، مقابل نمو متسارع للواردات بنسبة بلغت 11.6 بالمئة والتي شملت بصورة أساسية قطاع الطاقة والمواد الغذائية والمستلزمات الصناعية.
وبلغت نسبة تغطية الواردات بالصادرات نحو 71.4 بالمئة فقط، مقارنة بنحو 73.9 بالمئة خلال الفترة المقابلة من عام 2025.
وكشفت مصادر أزمة العجز ليست ناجمة عن تراجع الصادرات بقدر ما هي مرتبطة بالتسارع الكبير في وتيرة نمو الواردات، مما يثبت أن محركات الاستيراد تفوق بكثير قدرات التصدير الهيكلية للبلاد.
وقالت المصادر: إن عدم مراجعة السياسات الحالية للإنتاج والتوريد قد يدفع العجز التجاري إلى مستويات كارثية غير مسبوقة بنهاية العام، داعيًا إلى تبني إصلاحات هيكلية عميقة وتحفيز جاد لقطاع الطاقة البديلة والإنتاج المحلي للحد من التبعية الخارجية.
وحش العجز الطاقي: معضلة تبتلع مقومات التنمية والإنتاج
وأوضحت المصادر، أن العجز الطاقي يمثل السبب الرئيس والأبرز وراء تفاقم العجز التجاري الكلي في تونس، مشيرًا إلى أن البلاد تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بتراجع الإنتاج الوطني من المحروقات وارتفاع كلفة التوريد العالمية.
وأفادت بأن العجز الطاقي وحده يستحوذ على نحو 52 بالمئة من إجمالي العجز التجاري للبلاد، مسجلاً عجزًا قدره نحو 3.06 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، مقابل 2.45 مليار دولار في الفترة ذاتها من 2025.
وأشار الخبراء إلى أن قطاع الكهرباء في تونس يعتمد بصورة شبه كاملة على الغاز الطبيعي، الذي يمثل أكثر من 97 بالمئة من مزيج إنتاج الكهرباء، في وقت تسجل فيه المواد الأولية ونصف المصنعة عجزًا بقيمة 1.56 مليار دولار، ومواد التجهيز بـ1.07 مليار دولار، والمواد الاستهلاكية بنحو 770 مليون دولار.
ورغم تحقيق المواد الغذائية فائضًا تجاريًا قدره 340 مليون دولار، وعائدات سياحية تجاوزت 1.6 مليار دولار بنمو قدره 4.82 بالمئة، إلا أن معضلة العجز الطاقي الهائل تبتلع هذه العوائد بالكامل، مما يفرض جعل الأمن الطاقي أولوية قصوى لا تقبل التأجيل.
إن معالجة نزيف العجز التجاري والسيطرة على فاتورة الطاقة الضخمة من خلال الاستثمار الفعلي في الطاقات المتجددة وتوطين الصناعات الحيوية هما طوق النجاة الوحيد لاستعادة التوازن المالي والنقدي.
ومع تواصل التقارير الأممية والاقتصادية التي تحذر من تفاقم الأزمات، بات لزاماً توحيد الجهود الوطنية والدولية لإنقاذ الاقتصاد التونسي وإرجاعه إلى مسار النمو والاستدامة.

