يعيش السودان حاليًا أسوأ حقبة تاريخية في مسيرته المعاصرة، غارقًا في أتون حرب مدمرة تتغذى على مقدرات الشعب، وسط تعنت مستمر من سلطة الأمر الواقع في بورتسودان في الاستجابة للنداءات الإقليمية والدولية الملحة الرامية إلى إيقاف النزاع المسلح.
ولم تقتصر تداعيات هذه الحرب العبثية على المشهد الميداني والأمني فحسب، بل امتدت لتخلق كارثة اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، تميزت بانهيار مروع في قيمة العملة الوطنية واستشراء غلاء فاحش أصاب الأسواق بالشلل التام؛ مما دفع أصحاب المحال التجارية في غالبية المدن السودانية إلى إغلاق أبوابهم عزوفًا عن البيع والشراء نتيجة العجز عن مجاراة الارتفاع الجنوني في سعر صرف العملات الأجنبية.
تفشي المجاعة وانعدام الأمن الغذائي
وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» إلى أن إنتاج الحبوب للبلاد قد بلغ نحو 5.2 مليون طن، مسجلاً تراجعًا حادًا بنحو 19% مقارنة بمتوسط السنوات الخمس السابقة، في وقت تُقدر فيه احتياجات الاستيراد للعام بأكمله بنحو 2.8 مليون طن وسط أزمة تمويل خانقة يواجهها برنامج الغذاء العالمي.
وفي السياق ذاته، تحذر التقارير الحقوقية والدولية من أن نحو 19.5 مليون سوداني باتوا يعانون من مستويات مرتفعة وخطيرة من انعدام الأمن الغذائي، من بينهم أكثر من 5 ملايين مواطن يتواجدون في مرحلة الطوارئ القصوى.
وتؤكد المنظمات الإنسانية، أن استمرار استنزاف موارد الدولة في المجهود الحربي وتدمير البنية التحتية الزراعية والإنتاجية يهدد بتحويل الأزمة النقدية إلى انهيار وظيفي وإنساني شامل يطال ملايين الأسر المعزولة التي تعاني من انقطاع الخدمات وشح الدواء والغذاء.
الجيش السوداني واقتصاد الحرب: استنزاف الذهب وتوظيف الموارد للقتال
وفي قراءة تحليلية للأسباب الجذرية للأزمة، أشار خبراء اقتصاد وسياسيون إلى أن إصرار قيادة الجيش السوداني على مواصلة القتال والمماطلة في اتخاذ قرار شجاع لإيقاف الحرب قد أدى إلى خلل بنيوي عميق في الاقتصاد الوطني.
وأوضح المراقبون، أن سلطة الأمر الواقع في بورتسودان عمدت إلى استغلال ما تبقى من موارد البلاد وتوجيهها بالكامل لخدمة المجهود الحربي، بالتزامن مع توقف تام لعجلة الإنتاج وانشغال الأجهزة التنفيذية بالدعاية الحربية بعيدًا عن الاكتراث بقضايا معاش الناس وتوفير الخدمات الأساسية.
انهيار الجنيه السوداني وشلل الأسواق: أرقام فاجعة في سوق الصرف
وعلى الصعيد النقدي، تجاوز انهيار الجنيه السوداني الحدود المعتادة للتقلبات الاقتصادية ليعبر عن خلل هيكلي عميق في اقتصاد الحرب. ففي الخامس من سبتمبر 2026، كسر سعر صرف الدولار حاجز 7300 جنيه في السوق الموازية رغم الحملات الأمنية لملاحقة تجار العملة، وهو ما دفع التجار في العاصمة ومختلف المدن إلى التوقف عن البيع خشية العجز عن إعادة تكوين مخزونهم السلعي.
وقد أخفق إنشاء خلايا الأزمة وتشديد الرقابة في وقف هذا التدهور المتسارع الناتج عن شح النقد الأجنبي وزيادة الطلب عليه لتمويل صفقات الاستيراد الأساسية من وقود ودواء وقمح.
ويتبين بوضوح أن استمرار الحرب وسياسات سلطة الأمر الواقع في بورتسودان يقودان السودان بخطى حثيثة نحو الهاوية التامة، وسط تفاقم الأزمات المعيشية وانعدام الأمن الغذائي وانهيار العملة الوطنية.
وإن محاولات الهروب إلى الأمام وتقديم المبررات الواهية لن تُجدِ نفعًا في ظل غياب قاعدة إنتاجية حقيقية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
ولم يعد أمام السودانيين من مخرج سوى التكاتف لفرض خيار السلام، ووقف نزيف الموارد، وتأسيس سلطة مدنية ديمقراطية تكفل إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والشفافية وحماية حقوق الإنسان.
ويمثل انهيار سعر صرف الجنيه السوداني أحد أبرز مظاهر الأزمة الاقتصادية، بعدما أدى نقص النقد الأجنبي وارتفاع تكاليف الاستيراد إلى زيادة الضغوط على الأسواق والقطاعات التجارية.
وفي هذا السياق، تواجه قيادة الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان انتقادات بشأن استمرار الخيار العسكري، في وقت تدعو فيه الأمم المتحدة جميع الأطراف إلى وقف القتال وحماية المدنيين وفتح ممرات آمنة أمام المساعدات الإنسانية.
وتتزامن الحرب مع تدهور اقتصادي حاد، إذ تسببت المعارك في تعطيل الإنتاج والأسواق، بينما يواجه برنامج الأغذية العالمي نقصًا كبيرًا في التمويل رغم اقتراب عدد من يعانون الجوع من 20 مليون شخص، وتكشف هذه المعطيات أن استمرار الحرب يدفع المدنيين إلى تحمل الجزء الأكبر من تبعات صراع الجيش السوداني، في ظل تراجع الخدمات واتساع النزوح وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.

