تقف الدولة السورية اليوم في خط النار الأول مواجهةً لفلول الإرهاب وجرائم التنظيمات المتطرفة التي تسعى لزعزعة الاستقرار وتقويض سيادة القانون عبر العمليات الإرهابية الجبانة.
وفي مشهد يعكس ضراوة المعركة المستمرة ضد خلايا الغدر، كشفت العمليات الأمنية الأخيرة عن نجاح قوات الأمن الداخلي في توقيف أحد أخطر قيادات تنظيم «داعش» المتورط في سفك دماء عناصر الأمن بمدينة الصنمين في محافظة درعا.
العملية النوعية في درعا وسقوط القيادي الإجرامي وليد الفلاح
شهدت محافظة درعا بجنوب سوريا تطورات أمنية متسارعة أثبتت يقظة الأجهزة المختصة في تعقب وتفكيك الخلايا الإرهابية النائمة التابعة لتنظيم «داعش».
وفي تفاصيل العملية التي وثقتها وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، أعلنت قوى الأمن الداخلي عن نجاحها في إلقاء القبض على المدعو وليد الفلاح، الذي يُعد أحد أبرز متزعمي الخلية الإجرامية المتورطة بشكل مباشر في مقتل ثلاثة من عناصر قوى الأمن البواسل خلال اشتباكات ضارية وقعت أثناء مداهمة أمنية استهدفت العناصر المطلوبة في مدينة الصنمين بريف درعا الشمالي.
وقد أكد مصدر حكومي رفيع المستوى وفقًا لوكالة «فرانس برس»، أن المطلوب الرئيسي وعناصره ينتمون تنظيمياً وعقائدياً إلى فلول تنظيم «داعش»، الأمر الذي يؤكد خطورة التغلغل الإرهابي في المنطقة وسعي الخلايا المنهجي لاستهداف مقومات الأمن والاستقرار في المحافظة.
ولم تتوقف الجهود الأمنية عند هذا الحد، إذ أعقبت المداهمة حملة تمشيط واسعة أسفرت عن توقيف خمسة أشخاص آخرين يشتبه بتورطهم في تقديم الدعم اللوجستي وتأمين المأوى للعناصر الهاربة.
وفي السياق ذاته، صرح المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في مؤتمر صحفي عقده عقب العملية، بأن التحقيقات الأولية أثبتت أن الأجهزة الأمنية نجحت في «تفكيك خلايا إجرامية وأخرى مرتبطة بتنظيم داعش كانت تنسق في ما بينها» لتنفيذ هجمات منسقة ضد نقاط التفتيش والدوريات الأمنية.
وتؤكد هذه الضربات الأمنية الحازمة، أن الدولة السورية عازمة على ضرب الإرهاب بيد من حديد، وعدم السماح لأي جهة كانت بتحويل المحافظات الجنوبية إلى ملاذ آمن للجماعات التكفيرية التي تحاول استغلال التطورات السياسية لإعادة تنظيم صفوفها وارتكاب المزيد من الجرائم بحق الأبرياء.
تقارير حقوقية وأممية توثق جرائم تنظيم داعش وتكتيكاته الجديدة في سوريا
وتتطابق الضربات الأمنية في الجنوب مع تقارير حقوقية وأممية دورية صادرة عن لجان تقصي الحقائق والمنظمات الدولية المستقلة، والتي وثقت بالأرقام والتواريخ حجم الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها تنظيم «داعش» بحق المدنيين وعناصر القوات الأمنية في سوريا.
ففي تقرير مفصل أصدره مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في جنيف في النصف الأول من عام 2026، أشارت البيانات إلى أن تنظيم «داعش»، ورغم هزيمته العسكرية الكبرى وفقدانه السيطرة المكانية على آخر معاقله في شرق سوريا عام 2019، ما يزال يعتمد على استراتيجية «حرب العصابات» والذئاب المنفردة، من خلال تنفيذ هجمات مباغتة تستهدف زعزعة الأمن الإقليمي.
وأوضح التقرير الأممي، أن التنظيم أصدر توجيهات متطرفة لعناصره وخلاياه النائمة في ديسمبر 2024 تقضي بشن حملة دموية لقتال السلطات الجديدة ومحاولة استعادة موطئ قدم له في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء.
إلى جانب ذلك، وثقت منظمات حقوقية دولية بارزة، مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، في تقارير صدرت خلال أعوام 2024 و2025 و2026، وقوع عشرات الهجمات الإرهابية في مناطق البادية السورية ومحافظات دير الزور والرقة وحمص ودرعا، والتي أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من المدنيين والعسكريين.
وتؤكد الوثائق الرسمية، أن الوجود الميداني لداعش، الذي كان يتركز سابقاً في الشمال والشمال الشرقي، انكمش ليتحول إلى شبكة سرية من الخلايا المستقلة التي تمول عملياتها عبر شبكات الابتزاز، وتهريب المخدرات، والاختطاف للحصول على فدية.
وفي خطوة تعكس الجدية الحكومية في مواجهة هذا الخطر العابر للحدود، أعلنت الحكومة السورية رسميًا في أواخر العام الماضي انضمامها إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش»، في التزام صريح بتوحيد الجهود العسكرية والاستخباراتية لتجفيف منابع الإرهاب واجتثاث جذوره نهائياً.
السوابق التاريخية لمخابئ داعش في الجنوب وتحديات المرحلة الأمنية المقبلة
تاريخيًا، لم تكن محافظة درعا والمنطقة الجنوبية بمعزل عن نشاط التنظيمات الإرهابية، فقد كشفت وقائع سابقة عن تركيز فلول داعش لثقوب سوداء ومخابئ سرية تستغل التضاريس المعقدة والظروف الاقتصادية الصعبة.
ويذكر المراقبون إعلان التنظيم الإرهابي نفسه في عام 2022 عن مقتل زعيمه السابق أبي الحسن الهاشمي القرشي خلال معارك عنيفة لم يحدد مكانها حينها، قبل أن تكشف التحقيقات والاستخبارات الدولية والمحلية لاحقًا أن تلك المعارك الحاسمة جرت رحاها بحد ذاتها على أرض محافظة درعا، مما يؤكد أن الجنوب السوري شكل طويلاً عمقًا استراتيجيًا وملاذًا خفيًا لقيادات الصف الأول الهاربة.
وتفرض هذه المعطيات التاريخية والميدانية واقعًا أمنيًا معقداً يتطلب استمرار العمليات الاستباقية وتعزيز التعاون الاستخباراتي بين مختلف التشكيلات الأمنية لقطع دابر أي محاولات إحياء للتنظيم.
وفي هذا السياق، تؤكد التحليلات الاستراتيجية أن نجاح القوات الأمنية السورية في تفكيك خلية وليد الفلاح والوصول إلى رؤوس الأقلام في درعا يوجه ضربة موجعة لمخططات داعش الرامية إلى ربط جبهات الجنوب بجيوب البادية الشرقية.
غير أن التحديات ما تزال قائمة وتتطلب دعمًا دوليًا مستمرًا لتعزيز قدرات القوات المسلحة والأمنية، فضلاً عن تنفيذ مشاريع تنموية واجتماعية في المناطق المحررة لقطع الطريق أمام محاولات التنظيم استقطاب العناصر اليائسة بالمال أو الفكر المتطرف.
إن تكامل الجهود بين الرقابة الاستخباراتية الصارمة، وتفعيل الالتزامات ضمن التحالف الدولي، واليقظة الشعبية والمؤسسية، يمثل الضمانة الوحيدة لتطهير كامل التراب السوري من إرهاب داعش وحماية أرواح المدنيين الأبرياء من بطش هذه الخلايا الظلامية.

