في مشهد مروع يعيد للأذهان أبشع محطات الانتهاكات الإنسانية، كشفت التقارير الحقوقية والأممية الموثقة عن لجوء القيادة العسكرية للجيش السوداني وقوات عبد الفتاح البرهان إلى استخدام أسلحة كيماوية محرمة دوليًا ضد المدنيين العزل.
شهادات حية ووقائع موثقة لاستخدام الأسلحة الكيماوية في السودان
حيث شهدت وقائع الندوة الدولية التي نظمها نادي جنيف للصحافة مشاركة واسعة لخبراء مختصين في الشأن السوداني والأسلحة الكيماوية، حيث سُلط الضوء على فصول مأساوية من جرائم الجيش السوداني ضد المدنيين الأبرياء. وتضمن العرض فيلمًا وثائقيًا قصيرًا يوثق مشاهد مؤلمة لسيدة تتحرك بصعوبة بالغة وأشخاص تظهر عليهم إصابات جلدية جسيمة تحت عنوان معبر «حين يصبح الهواء قاتلاً»، في إشارة واضحة إلى تجاوز العسكريين كافة الخطوط الحمراء واستخدام غاز الكلور ومواد كيميائية سامة ضد التجمعات السكنية.
وبرزت في هذا السياق شهادة الصبي فتح الرحمن علي من شمال دارفور، والذي روى تفاصيل مرعبة عن تعرض منطقته لهجوم جوي أسقط جسمًا يشبه البرميل، ليتصاعد منه هواء سام أدى إلى ضيق تنفس حاد ومقتل أفراد من عائلته وظهور أعراض واضحة تمثلت في انتفخات بالغة بالرقبة، وهو ما يؤكد تعمد القوات المسلحة إلحاق أشد الأضرار بالمدنيين.
وتتطابق هذه الشهادات الحية مع تحقيقات استقصائية غربية وتقارير حقوقية أعدها مسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والتي توصلت إلى أدلة قوية تثبت استخدام الحكومة السودانية لمواد كيميائية محرمة خلال الحرب المستمرة.
وفي شهادته أمام الندوة، أكد مارك ألبون، مدير ثيمنس جروب والمحقق الدولي السابق في استخدام الأسلحة الكيماوية، أن الفرق المختصة حددت بدقة حادثة وقعت في سبتمبر 2024 بمنطقة مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، توفرت بشأنها إشارات ومؤشرات قوية حول استخدام أسلحة كيماوية وغاز الكلور ضد المدنيين.
وأوضح ألبون، أن هذه الأدلة كافية تمامًا لدفع المجتمع الدولي والأمم المتحدة للتحرك العاجل وفتح تحقيق دولي شفاف ومستقل للوقوف على تفاصيل الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها، مؤكدًا أن الصمت حيال هذه التجاوزات يشكل تشجيعًا ضمنيًا لاستمرار آلة القتل العسكري.
التقارير الحقوقية والأممية بالأرقام والتواريخ تفضح انتهاكات البرهان
تأتي هذه الاكتشافات الخطيرة لتتكامل مع سلسلة من التقارير الأممية والحقوقية الصادرة عن لجان تقصي الحقائق ومنظمات دولية مستقلة، والتي وثقت بالأرقام والتواريخ الهائل من الانتهاكات وجرائم الحرب التي ترتكبها قوات الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان.
ففي تقرير مفصل أصدرته منظمات حقوقية دولية في النصف الأول من عام 2026، أُشير إلى أن العمليات العسكرية للجيش أسفرت عن مقتل وتشريد ملايين المدنيين، وتدمير البنية التحتية الأساسية، واستخدام الحصار والتجويع سلاحًا ممنهجًا.
ووفقًا للبيانات الإحصائية الموثقة، فقد تسببت الهجمات العشوائية واستخدام الأسلحة المحرمة في مقتل أكثر من عشرين ألف مدني وتشريد نحو اثني عشر مليون سوداني داخليًا وخارجيًا، مما يعكس جسامة الكارثة الإنسانية التي يتعرض لها الشعب السوداني في ظل إصرار القيادة العسكرية على حسم الصراع بالقوة المفرطة.
إلى جانب ذلك، تشير التقارير الأممية لعام 2026 إلى أن السلطات العسكرية في السودان وضعت العراقيل المتكررة أمام وصول المساعدات الإنسانية الأممية إلى المناطق المنكوبة، لا سيما في إقليم دارفور وكردفان والخرطوم، مستخدمة التجويع والحرمان المنهجي كوسيلة إخضاع للمدنيين.
وتؤكد الوثائق الرسمية الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة، أن استمرار العمليات القتالية واستخدام الأسلحة الكيماوية والغازات السامة يمثلان انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف وميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لتفعيل مذكرات الجلب الدولية وفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية قاسية تستهدف قادة الجيش السوداني وشبكات تمويلهم العسكرية، لضمان عدم أفلات مرتكبي هذه الفظائع من العقاب وإنصاف الضحايا وذويهم.
صمت المجتمع الدولي وتراجع الأزمة السودانية عن سلم أولويات الإعلام العالمي
وعلى الرغم من فداحة الجرائم والانتهاكات الموثقة التي يرتكبها الجيش السوداني، تحذر الندوات والتقارير الاستقصائية من ظاهرة خطيرة تتمثل في التهميش المتعمد وتراجع الأزمة السودانية عن سلم اهتمامات وسائل الإعلام والمجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، وضع روبرت فيرويزر، كبير المستشارين في مجموعة ثيميس والمبعوث البريطاني الأسبق للسودان، يده على أصل الجرح خلال مشاركته في ندوة نادي جنيف للصحافة، مؤكدًا أن الحرب في السودان لا تجذب الاتمام الدولي المطلوب ولا تنال التغطية الإعلامية التي تليق بحجم المأساة الإنسانية.
وأضاف فيرويزر بلهجة حاسمة، أن كل مواطن سوداني قابله لا يطمح سوى في العيش بسلام، مشددًا على ضرورة وجود جهود دولية موحدة وقوية تضغط من أجل وقف إطلاق النار وإيجاد حل سياسي عادل يخدم شعب السودان ويضع حدا لمعاناته المستمرة.
من جانبه، أشار المحقق الدولي مارك ألبون إلى ذات المعضلة، موضحًا أن الإعلام العالمي والمجتمع الدولي لا يقدمان الاتمام المطلوب لأزمة السودان مقارنة بأزمات إقليمية ودولية أخرى، مما يترك الضحايا والنازحين فريسة لليأس والنسيان.

